22 أسباب النزول في كتاب تيسير التفسير
الجزء ١ · صفحة ١٨111]. قال: «قدم نصارى نجران إليه صلّى الله عليه وسلم، وناظرهم أحبار اليهود، وارتفعت أصواتهم، قالت اليهود للنّصارى: ما أنتم على شيء، وكفروا بعيسى والإنجيل، والجنّةُ لنا دونكم. وقالت النّصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وكفروا بموسى والتّوراة، والجنةُ لنا دونكم. فنزلت الآية».
ثم قال: «جمعهم بالواو في ﴿وَقَالُوا﴾، لأنّ السّامع يميّز ما قال كلّ ما بعده؛ لأنّ اليهود لا تقول، لن يدخل الجنّة إلّا من كان نصارى، والنّصارى لا تقول، لن يدخل الجنّة إلّا من كان هودًا، ولا تقول اليهود والنّصارى، لن يدخل الجنّة إلّا اليهود والنّصارى؛ لأنه ينافيه سبب النّزول»(1).
المسألة الثّالثة: التّفسير وفق أسباب النّزول:
ذكرنا أنّ العلم بأسباب النّزول يعين على التّفسير وفهم المعنى، ومن الأمثلة لتفسير الآية وفق سبب النّزول لا وفق المعنى اللغوي، ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].
قال الشيخ: ﴿فَلَا جُنَاحَ﴾: لا إثم، وأصله الميل مطلقًا، سمّي به الذنب لأنه ميل عن الحق ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ﴾ في أن يتطوّف ﴿بِهِمَا﴾: بينهما، كما زعم المسلمون قبل نزول الآية، أنه لا يجوز السعي بينهما، لأنه كان فوق كل منهما صنم، يمسّهما المشركون بأيديهم، ويمسحون بهما وجوههم، ويعظّمونهما، فكرهوا أن يشبه سعيُهم - ولو كانوا لا يمسحونهما لا يعظمونهما- سعيَ المشركين المعظّمين لهما الماسحين- أحدهما إساف بكسر الهمزة، والآخر نائلة: صنمين- من أوّل.
فسبب النّزول بيّن أنه لا حرج في الطّواف بينهما بسبب ما كان من وجود الأصنام ولفعل المشركين من تعظيمها؛ فهو بيان لحكم اعتقاديّ لا فقهيّ، لذلك أكّد الشيخ هذا الفهم بقوله: (والطواف بهما واجب، … وهذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، وإن لم يسْعَ لزمته شاة، وقيل: بدنة، وقال مالك والشافعي: يبطل الحج بتركه … ، وقال أحمد: سنة غير
(1) القطب اطفيش، تيسير التفسير (1/ 224).