22 أسباب النزول في كتاب تيسير التفسير
الجزء ١ · صفحة ٢١الحارث، أو العاصي بن وائل السهمي، وتفسير الإعطاء بالإذعان إلى بعض الدين يتوافق معه القول بنزولها في أبي جهل. أو فيمن أسلم وارتد، كما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما.
وأمّا قول الشّيخ: وقيل: نزلت الآية في الإمام عثمان، إذ جهز الجيش من ماله، وصرف ماله في وجوه الأجر، ثم أمسك لما خوَّف بالفقر» فلم أجده لمن سبقه من المفسرين، وبطلانه ظاهر؛ فقد كان تجهيز جيش العسرة في السنة التّاسعة للهجرة، والآية مكّيّة.
والذي ذكره المفسرون هو ما ذكره الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه في قصة جرت له مع أخيه لأمّه عبد الله بن سعيد بن سرح، وذكروا مع هذه الرواية أقوالًا أخرى، وردّوا هذه الرواية، قال ابن عطية: «وذكر الثعلبي عن قوم أنها نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه في قصة جرت له مع عبد الله بن سعيد بن سرح، وذلك كله عندي باطل، وعثمان عن مثله منزّه»(1). وكذلك قال الرازي وغيره(2). واقتصر الزمخشري على هذه الرواية واعتبر التّولّي هو «ترك المركز يوم أحد»(3). والسورة – كما علمت- من أول ما نزل بمكة.
وكذلك ردّها الشيخ هنا وقال «لا يصح لبُعد ذلك عن أضعف الصحابة، فضلًا عنه» لكنّه قال بعد ذلك: «إلّا أنّه بعد ستٍّ من خلافته لعِب بالدين ومال الله عز وجل»، وهذا لا يليق بالإمام جامع القرآن، ذي النّورَين، ومن المبشرين بالجنة، ومن أهل بدر الذين قال فيهم النّبي صلى الله عليه وسلم: ((لَعَلَّ الله اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))(4).
وقوله في عثمان خاصة، عندما جهّز جيش العسرة: ((مَا ضَرَّ ابْن عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ)) يُرَدِّدُهَا مِرَارًا(5).
- ومن نقده لروايات أسباب النّزول ملاحظته التّاريخ الذي لا يتوافق مع زمن النّزول، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: 87 - 88].
(1) ابن عطية، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (5/ 205).
(2) انظر: الرازي، مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (29/ 272 - 273). وانظر: سيد قطب، في ظلال القرآن (6/ 3414).
(3) الزمخشري، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 427).
(4) البخاري، الجامع المسند الصحيح (6/ 149) ح: (4890). ومسلم، المسند الصحيح (4/ 1941) ح: (2494).
(5) أحمد، مسند الإمام أحمد (34/ 231) ح: (20630). سنن الترمذي (5/ 626) ح: (3701).