22 أسباب النزول في كتاب تيسير التفسير
الجزء ١ · صفحة ٢٨وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب). واعتمد هذه القاعدة أكثرُ علماء الأمة من مفسرين وغيرهم، والمحققون من أهل الأصول، بل حكى الزركشي الإجماع على ذلك(1)، وطبّقها السلف في تفاسيرهم.
وهذا المعنى كرّره الشيخ كثيرًا إلى درجة يلتبس فيها سبب النّزول بحكمه في بعض المواضع؛ وهذه مسألة ينبغي التّنبّه إليها؛ فسبب النّزول يخصّ الواقعة الّتي نزلت فيها الآية، وحكم الآية يعمّ من نزلت فيه وغيره ممن كان بمنزلته، وقد تقدّم الكلام على مثل هذا في الآية (5) من سورة الليل.
ومن المواطن الّتي ذكرها الشّيخ في قول الله تبارك وتعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: 159].
قال: «سأل معاذ بن جبل، وسعد بن معاذ، وخارجة بن زيد نفرًا من أحبار اليهود عن بعض ما في التّوراة، فكتموا، فنزلت. وقيل: نزلت في الكاتمين من اليهود والنّصارى، إلا أن خصوص السبب لا يدفع عموم الحكم. فالآية تعمّ من كتم من أهل التّوحيد ما لا يجوز له كتمه من أمر الدين.
قال أبو هريرة لولا هذه الآية ما حدّثت أحدًا بشيء، وعنه صلى الله عليه وسلم: (من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامة ملجَمًا بلجام من نار)، وذلك شامل للنّساء لا يحلّ لهنّ الكتم، ولا يعذر المسئول بل يكفر إلا إن علم أنه إن لم يجب سئل غيره وأجاب»(2).
ومن أمثلة ذلك أيضًا ما قاله في نزول الآية (43) من سورة النّساء: «وأنت خبير بأن خصوص سبب النّزول لا ينافي عموم اللفظ»(3).
وقال في الآية (16) من سورة الأنفال: «حكم الآية عام ولو كان سببها غزوة بدر، والعمل بعموم اللفظ ولو خص السبب»(4).
وقال في الآية (101) من سورة الأنبياء ﴿الْحُسْنَى﴾: «الخصلة المفضلة في الحسن، وهي السعادة، وقيل التّوفيق للطاعة، وذلك على العموم، لأنه يعتبر عموم اللفظ، لا
(1) انظر: الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه (4/ 269).
(2) القطب اطفيش، تيسير التفسير (1/ 327).
(3) القطب اطفيش، تيسير التفسير (3/ 227).
(4) القطب اطفيش، تيسير التفسير (5/ 293).