6 سيرة القطب اطفيش الجزائري بأقلام طلابه وتلاميذه
الجزء ١ · صفحة ٦٠4 - منهجه في التدريس:
يعتمد منهج القطب في التدريس على استغلال الوقت والتركيز على التلقين، بحيث تستمرُّ دروسه طيلة أيام الأسبوع من الضحى إلى الزوال إلاَّ يوم الجمعة، ثم يزيد دروسًا في المساء بعد العصر.
لا يدرِّس القُطب في الليل إلاَّ الغُرباء والنجباء والمتفوقين، لأنه كان في العادة يخصص الليل للتأليف والإجابة عن الرسائل والاستفتاءات وغيرها، وكان مع ذلك متفانيًا في التعليم فقد تصل دروسه إلى أزيد من عشر دروس مختلفة التخصصات في اليوم الواحد.
قد يستعمل القُطب اللسان البربري المحلي "اللهجة المِزابية" عند الاقتضاء، ولا يحاسب تلاميذه على الغياب أو الإبطاء، وإذا رأى منهم تعبًا روَّح عنهم بما يدفعهم إلى النشاط والتركيز، كما كان يولي اهتمامًا بالغًا لأسئلة تلاميذه فيكتبها ويحقق مسائلها، ولا يعجزه شيء عن الرجوع إلى المصادر المختلفة حتى أثناء الدرس.
لقد فتح منهج القُطب في التدريس الباب على مصراعيه لجحافل الطلبة الذين تهاطلوا عليه من كلِّ مكان طلبًا للعلم النافع، وأمام ضيق ذات اليد لم يستطع القطب استقبال كلّ من طلب الدراسة عنده(1)، ومع ذلك فقد تخرَّج على يديه معظم روَّاد الحركات الإصلاحية في مزاب وتونس وليبيا وعُمان كما أسلفت.
5 - مكانته العلمية:
لقد سطع نجم القُطب مبكِّرًا في سماء مزاب والجزائر والعالم الإسلامي، وساهم بذكائه وحسِّه الإسلامي المرهف في تحسيس المسلمين بأهمية العلم وضرورته، وكذا بخطورة الاستعمار وسياسته في تجهيل الشعوب وجعلها تابعة له، فعرف المنصفون مكانته العلمية فقدَّروها حقَّ قدرها، وتسارعوا إلى لقائه وإرسال وفود الطلبة إليه، حاملين معهم الهدايا والكتب القيمة من سادتهم ووجهائهم؛ فقد أهدى إليه السلطان العثماني عبد الحميد الثاني نيشانًا عندما حل لغز الماء، في مسابقة وقعت بين معاصريه من العلماء، فقال رجال الأكاديمية الفرنسية: «نحن أحق وأولى من تركيا في تكريم العالم اطفيش .. »، فأعطوه وسام
(1) - ينظر تيسير التفسير، ج6 ص49. والسلاسل الذهبية، إبراهيم حفار، مخ، ص41.