36 دحض الدعاوي التنصيرية في جزائر الاستعمار الفرنسي عند الشيخ اطفيش
الجزء ١ · صفحة ٣٢٧فحسب بل كان رجلاً واقعياً ورجل ميدان، يرسم الخطة ويسارع إلى وضعها موضع التنفيذ، مسخّراً لذلك كل ما يحتاج له من إمكانيات، حيث يقول عن نفسه أمام الرأي العام الفرنسي: «إنيّ سعيت معكم لتحقيق الفتح ولجعل الأرض الجزائرية مهداً لأمة عظيمةٍ سخيةٍ مسيحيةٍ، فرنسا أخرى، وبعبارة أخرى لننشر من حولنا النور الحقيقي لحضارة يكون الإنجيل أساسها ودستورها، ولننقل هذا النور إلى ما وراء الصحراء إلى قلب هذه القارة الكبيرة الغارقة في الظلام والتوحّش بربط إفريقيا الشمالية بالوسطى بحياة الشعوب المسيحية وهو المصير الذي اختاره لنا الربّ»(1).
فكان من بين جهوده توسيع المقاطعة الإدارية الدينية في الجزائر بإنشاء مقعدين أسقفيين، ليصبح هناك أسقفية الجزائر وأبرشيتي وهران وقسنطينة في سنة 1866، ولَمَّا أخذت المجاعة والطاعون بالجزائر مأخذهما في سنوات 1867 - 1869 مخلِّفة الكثير من الضحايا، تشكلت للكردينال لافيجري الظروف المناسبة للانغماس في المهمة التنصيرية التي لم نتطلق بشكلٍ فعليٍ حتى ذلك الوقت؛ حيث كان يعتبر هذا المنصّر الكبير هذا الاستعمار: «ما الحرب على الجزائر في الواقع ولن تكون إلاَّ حرباً صليبيةً أخيرة ضد "الهمجية" الإسلامية التي أغلقت الباب في وجه المسيحية في أفريقيا»(2).
كانت انطلاقة لافيجري في المهمة من جمع الأيتام وتكوين قرية عربية للأيتام في حوض الشلف، ثم فتح مهام الارساليات في القبائل والصحراء(3). كانت سياسة لافيجري واضحة حيث كان لا يطلب من الحكومة غير شيء من الاقتناع ومزيداً من الحرية؛ وحتى الحرية التي كان ينشدها لم يكن يريد استغلالها للتنصير المباشر بين المسلمين، وهذا ما لا تحبذّه فرنسا، بل كان يرى أنَّ التنصير بلا حذرٍ وعن عجل يجعل من المهمة أمراً مستعصياً بعد ذلك، ويخلق التعصّب، فيقول في هذا الصّدد: «أعتقد أنَّ التَّقارب يجب أن يكون شيئاً فشيئاً بالمُثل والعمل الخيري وبالإحسان، الذي هو الحراك الطبيعي لكل الأشياء المستدامة»(4).
وقد ترجم لافيجري هذه الأفكار في تأسيس "مؤسسة مُنصِّرِي إفريقيا" وقرى الأيتام(5) وتوسيع مجال نشاطه إلى الجنوب الجزائري حيث عيّن الكرسي البابوي المطران لافيجري
(1) 15 - Louis Baunard، Le Cardinal Lavigerie ، t1، Librairie Ch. Poussielgue، paris، 1869. p 164
(2) 16 - Charle Lavigerie، Lettre à un séminariste de Belgique sur La Société des Missionnaires d’Afrique، Bureau de l’Ouvre des Ecoles d’Orient، paris، 1880. p 4.
(3) 17 - ممدوح، مدخل إلى تاريخ، ص 76.
(4) 18 - Louis-Eugène Lovet، Op cit، p 268.
(5) 19 - انظر لاحقا الفصل الثاني المبحث الثاني.