6 سيرة القطب اطفيش الجزائري بأقلام طلابه وتلاميذه
الجزء ١ · صفحة ٦٧يعلى عليه، مردِّدًا هذه العبارة الأخيرة في كلِّ مرة معتزًّا بالإسلام أيما اعتزاز.
ومن طريف ما يروى عن القُطب أن وفداً فرنسيًّا زاره في الدار التي يدرس فيها وذلك قصد تسليمه وسام الاستحقاق عن حله لُغز الماء الذي حيَّر العلماء، وكان ضمن هذا الوفد القائد العسكري العام الفرنسي في الجزائر ومجموعة من الضباط الفرنسيين والقساوسة، وحينما دخلوا عليه الدار وجدوه جالساً يدرّس طلاَّبه، ولما وقفوا أمامه قام القُطب واعتلى بعض الدُّرُج، فطلب منه حاكم التراب أن ينزل ليسلمه رئيس الوفد النَّيشان، فأجابه القُطب قائلاً: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»، وعندما دنا منه أحد الجنود ليعلق له الوسام على صدره أرخى له القطب طرف بُرنُسِهِ من الأسفل وقال له علِّقه هنا ..
وكان يستدعى مرَّات إلى التحقيق بسبب تجرؤه المستمر على السلطات الاستعمارية في بلدته وسائر قرى مزاب، حتى إنه فُتِّش وسُئل مرَّات عن وضعه الطابع البريدي مقلوبًا إلى الأسفل على أظرفة البريد، وقد يبدوا للبعض بأن هذا السلوك تصرف ساذج، إلاَّ أنه في حقيقة الأمر شكل من أشكال الرفض الصريح والمتواصل لكل أشكال تواجد المستعمر.
11 - رحلاته وأسفاره:
لما ذاع صيتُ القُطب تهافت الطلبة عليه من كل مكان، وطلب الملوك والأمراء لقائه كذلك، فأرسل له الكثير منهم يطلبون تشريفه بزيارة بلدانهم؛ إلاَّ أنَّ اشتغاله المستمر والمتواصل بالتربية والتعليم أخذا جُلَّ وقته، فاستعاض عن الرحلات إلى الأمصار البعيدة بالمراسلات المختلفة إلى أولئك الملوك والوجهاء والأعيان، فمن خارج الجزائر راسل شخصيات من البحرين والحجاز، وعُمان ومصر وتونس وجبل نفوسة، والقُسطنطينية وبعض العواصم الأوربية، ولو جمعت تلك المراسلات لكونت مجلدات ضخمة فيها من أنواع المعارف والأخبار التاريخية فوائد كثيرة مهمة.
مع ذلك فهو يزور مدن وادي مزاب باستمرار لإلقاء الدروس والفتوى، مثل عادة زيارته لمدينة بريان التي غالباً ما تكون مرَّتين في السنة في الربيع والخريف، وهذا لإلقاء الدروس والوعظ والإفتاء، .. كما زار مدينة القرارة مراراً.