6 سيرة القطب اطفيش الجزائري بأقلام طلابه وتلاميذه
الجزء ١ · صفحة ٧٥بيّن سبب ذلك وعلَّله بالقول: «إني لا أنقلُ في ذلك إلاَّ ما صحَّ وثبت بطريق عدولٍ أو عوادل أو شُهرة مستفيضة؛ فلا تحدّثك نفسك في بعض ذلك بشكٍّ أو ارتيابٍ، وذلك لأنه قد يتعذّر التصريح بالمنقول عنه لكونه بحيث يُصان المقام بعدم ذكره، بل لغرض أن لا يطول ذيل الكلام بشيء لم تمسّ الحاجة إليه تارةً، أو لأنَّ التصريح بأسماء المنقول عنهن غير لازمٍ تارة أخرى، وحيث استطال لسان القلم أو انبسط استحكمت فيه وحكمت عليه بالقَطِّ»(1).
ج- منهج المؤلف في الكتابة.
التزم المؤلف قدر الإمكان ما صرّح به في أوّل خطة الكتاب، خاصة ما تعلَّق عنده بالتثبت في نقل الأخبار مع ما يتخلل الرسالة من الاستطرادات والفوائد العلمية والتنبيهات الدقيقة، والتي يراها المؤلف مما يتمّ الفائدة ويعمّمها.
أمّا عن التثبّتُ في نقل الأخبار فتأكيده على نقل ما سمعه من القطب اطفيش مباشرة أو عمّن يوثق به لا غير؛ وهو في أكثر من موضع، من ذلك قوله: «وسمعتُ منه مشافهة بعد أن حدَّثني غير واحدٍ … »، وقوله: « … حدثني غير واحدٍ ممن يوثق به ورأيتُ مكتوباً بخطه … »(2)، وقوله أيضاً: «قال الإمام اطفيش في بعض تقاييده … »(3)، وغيرها كثير، مما يدلّ على أمانة وحرص الشيخ حفّار في نقل الأخبار الصحيحة والثابتة عن القطب اطفيش -رحمه الله-.
أما منشأ الاستطرادات فهو راجعٌ فيما يبدو إلى أسلوب الحكاية أو السرد المستفيض من المؤلف على من يكتب له؛ فهو ضرير على ما نعلم، لذلك تجده يواصل الأخبار ويربط بعضها ببعض في كتابه، كالمسترسل في مجلس للأصحاب لا يستطيع التوقف عن الحديث حتى يستوقفه أحدهم بالسؤال عن موضوع آخر، وفي ذلك ينطبق عليه قول العربيِّ: «الشيء بالشيء يذكر»، ومثال ذلك أنه لما أتى إلى ذكر نسب القطب اطفيش انتهى إلى جده الأدنى "الشيخ محمد" وهو ممن يُنسب إليه الدين؛ انتقل المؤلف إلى الحديث عن جُبيل أبي العباس أحمد الويليلي(4) وذكر شيئاً من الكرامات المرويَّة عنه في كُتب السير(5)، لأنَّ هذا الأخير
(1) . السابق، ص15.
(2) . السابق، ص31.
(3) . السابق، ص26.
(4) . أبو العباس أحمد الويليلي الشهير بـ «بُوعْمَيَّد»؛ (حي في: 472هـ / 1079م - ت قبل: 504هـ / 1111م): من العابدين المنقطعين، والزُّهاد المتنسِّكين؛ سكن قصر «تين يسلمان» بوادي ريغ، في عهد كان فيه مركز إشعاعٍ في العلم والدين؛ وتروي كتب السير أنَّه طلع في شهر من شهور رمضان إلى جبال بني مصعب، ولازم ربوةً يتعبَّد فيها، إلى أن أدركته ليلة السابع والعشرين، فحدثت له فيها كرامة مشهورة، لا تزال تذكر على ألسنة عامَّة الناس وخاصَّتهم؛ وعلى الربوة المذكورة مصلَّى يفد إليه الزائرون في المناسبات المختلفة للتذكرة والاعتبار، وهو يقع قِبلة بني يسجن، ويسمَّى حاليا: جبل أبي العبَّاس، أو مقام بوعميَّدْ، ينظر بتفصيل: الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ج2، ص433 - 434.
(5) . السابق، ص25.