كتاب الملتقى الدولي الثاني للعلامة امحمد بن يوسف اطفيش كمال بابكر

7 موقف القطب من المخالف في المسائل الكلامية

الجزء ١ · صفحة ١٠٠

تحليل معيار القطب في تصنيف المسائل ضمن الأصول:

نقلنا فيما سبق عن الشيخ اطفيَّش أَنَّ مقياس رفع المسألة إلى مرتبة الأصول هو مساسها بالأُلُوهِيَّة؛ وبالتالي هي من مسائل الدين ويقطع فيها عذر المخالف، وَأَمَّا ما لم يكن مُتَعَلِّقا بالألوهيَّة، كالخلود، والشفاعة، وعذاب القبر، والصراط … فهو من مسائل الرأي التي لا يقطع فيها عذر المخالف، ولا يبرأ منه لأجلها (87). وَأَنَّ البراءة من مخالفيهم لم تكن بسببها وَإِنَّمَا بسبب ما يقدح في التوحيد (88).

غير أنَّ المثير للانتباه أَنَّ القطب ذاته يقرُّ بِأَنَّ هنالك مسائل مُتَعَلِّقَة بالإِلهِيَّات وقع فيها الاختلاف بين علماء مذهبه، ومع ذَلِكَ لم يجرؤ أحد منهم عَلَى البراءة من الآخر، قال الشيخ: «لم يبرأ أصحابنا المغاربة ممَّن قال من أصحابنا المشارقة بقِدم القرآن، ولا مِمَّن قال من أصحابنا التونسيِّين بالجبْل (89)، وكما روي عن ابن محبوب رحمه الله أَنَّهُ لا يقال: صفة الله هو ولا غيره، مع أنَّا نقول: صفته هو، ونجعل ذلك من الأصول» (90).

ولنا عَلَى هَذَا الكلام عِدَّة تعليقات:

- أحدها: الواقع يشهد بأَنَّ التكفير والبراءة وما أشبههما واقعان في مسائل لا علاقة لها بالإلهيَّات، كما هو واضح في أغلب كتب علم الكلام، سواء الإِبَاضِيَّة أم غيرها.

- ثانيها: إذا كان المعيار هو تَعَلُّقُ المسألة بالإِلهِيَّات «بلا واسطة أو بواسطة» (91)، عَلَى حدِّ تعبيره، فمسألة خلق القرآن التي صنَّفها القطب ضمن الفروع مُتَعَلِّقَة بالإِلهِيَّات؛ فهي مُتَعَلِّقة بصفة الكلام لله، حسب اعتراف القطب ذاته (92)، ويستلزم القول بقِدَم القرآن تعدُّد القدماء وهو مناف لتفرُّد الله بالوحدانيَّة، حسب الطرح الاعتزاليِّ وَالإِبَاضِيِّ عُمُومًا (93).

- ثالثها: أَنَّ القول بالجبْل أقرب إلى الجبر (94)، غير أَنَّ فيه تحسينا في العبارة، ويستلزم نسبة الظلم إلى الله تَعَالىَ، وقد جمع أبو خزر والقطبُ الردَّ عَلَى الْمُجْبِرَةِ والْمُجْبِلَةِ في سياق واحد (95).

- رابعها: لا نسلِّم باعتبار مسألتي الشفاعة والخلود منعدمتي الصلة بالأُلُوهِيَّة؛ لأَنَّ الإِبَاضِيَّة والمعتزلة يقولون: إِنَّهُما يتنافيان مع عدل الله تعالى وحكمته، ويستلزمان إخلاف

٩٦ / ٦١٩