مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الافتتاحية لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ١

الافتتاحية

بقلم الدكتور: محمد بن قاسم ناصر بوحجام

كلية الآداب، جامعة باتنة، الجزائر

قضيت خارج وطني الحبيب سنوات عديدة، وكان الحنين إليه يزداد كلّما زادت سنوات الإقامة بعيدا عنه، قلت في ذلك و أنا أغادر أرض سلطنة عُمان قصيدة مطلعها:

زَمَمتُ حقائِبِي إذْ حانَ عَوْدُ.:.:. إلى بَلَدِي، فنِعمَ هُوَ المرَدُّ (1)

كنت دائما أطلب الله أن يرزق بلدي الأمن والاستقرار، والتقدُّم والازدهار، بعد السنوات العجاف البوار، التي عاشتها، وقد لحقتها فيها أضرار وأضرار. وكنت أرجو أن أراه دائما في تطوُّر ونموٍّ في كل المجالات، وأدعو الله أن يبقيه أصيلا في المقوِّمات والتقاليد والعادات.

أخيرا كتب الله لي أن أؤوب إلى مهدي ومعهدي وموئلي ومنزلي، وكُلِّي أملٌ ورجاء أن أستمتع بحياة تلفُّها الأصالة، وتحفُّها العزَّة والكرامة. لكن للأسف وجدت الأمور تغيَّرت، والأحوال تبدَّلت، وأصبحت الأصالة تشكو العقوق، والمبادئ تنعى المروق، وجدت اللغة العربية تستعيذ من الغربة، واللغة الدخيلة تستعيد الأوبة؛ الكلُّ بها يلهج، ووراءها يجري ويلهث، التاجر والعامل، الطالب والمعلِّم، الطبيب والمهندس، الكبير والصغير، الرجل والمرأة، الرئيس والمرؤوس، السائس والمسوس … استنكفت الملاعب أن تفسح لها بينها مكانا، وتعهَّدت الشوارع أن ترفضها لسانا، النَّدوات بها تسيَّر، واللِّقاءات بها تؤطَّر، من دون أن يُرى في ذلك حرجٌ ولا ضرر، بينما فيه ضيم وضير، يرمي بشرر كالقصر، كأنَّه جمالات صُفر، ينذر بكلِّ شر، ويقصم كلَّ ظهر … أصبح التحدُّث بها عنوان التقدُّم، وبغيرها تكون شارةُ التحجُّر، إذا تقدَّم من يملك نزرًا من المعارف في ميدان العلوم، لجأ إلى اللغة الدخيلة، يحتمي بها لتمنحه صفة الأُبَّهة والتعاظم، ولاذ بها لتسعفه حظوة عند من لا يريد لنا الخير، ولا يضمر إلاَّ الشر.

الغريب أنَّنا في الجزائر بدعٌ من خلق الله في هذا التوجُّه، حتى بالنسبة لإخواننا العرب؛ التقينا بكثير من الأطبَّاء والمهندسين، واستمعنا مرَّاتٍ إلى من تخصَّص في ميادين العلوم المختلفة، ومن درَّس في البلدان الأجنبيَّة، ومن يحمل شهادات عليا في تخصُّصه، ويحذق لغة القوم الذين درس عندهم … فوجدناه إذا خاطب جمهوره، أو حاضرهم، أو التقى بهم، أو قدَّم لهم معلومات، التزم في ذلك لغة عربيَّة فصيحة، أو لهجة محليَّة ممزوجة باللغة العربيَّة، إلاَّ عندنا في الجزائر؛ فالوضع غير ذلك، ممَّا ينبئ بكثير من المهالك.

إذا استفسرتَ عن ذلك، أو إذا أحسَّ المتحدِّث بأنَّه انحرف عن الفطرة السويَّة في هذا السبيل أو أو … اعتذر لك بأنَّه لا يحسن اللغة العربيَّة، وقد يتجاسر على الحقيقة وعلى المعلوم من الفطرة بالضرورة فيقول لك بصريح العبارة إنَّ اللغة العربيَّة ليست في المستوى، إنَّني لا أستطيع أن أوصل

١ / ٢٦٨