مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

حركة التأليف عند العمانيين في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

الجزء ١ · صفحة ٢٤٠

حركة التأليف عند العمانيين في القرون الثلاثة الهجرية الأولى

مهنَّا بن راشد بن حَمَد السعدي (*)

إنَّ الحديث عن التاريخ العماني حديث ذو شجون، فقد حوى الكثير من العبر والعظات، وبه الكثير من الأفراح والأتراح، والتراث العماني تراثٌ واسعٌ ومتنوع، يحتاج من الباحثين جهدًا جبارًا ومُضنيًا لجمع شتاته وتسوية أوراقه.

ولقد ترك لنا أئمة عُمان وعلماؤها الكثير من المؤلفات والبحوث التي تحتاج إلى الأيدي الفتية من أبناء الأمة الإسلامية لإماطة اللثام عنها، ولنفض غبار الزمن ونسيان الأجيال لها.

وممَّا يتميز به التراث العماني التنوُّع والاتساع في التأليف، فقد اهتم العمانيون بالكثير من فنون العلم، فطرقوا أبوابها وولجوا ميادينها، وتسنَّموا ذراها، فأبدعوا في التأليف وأضافوا الجديد على ما تركه من سبقهم من العلماء من فنون العلم، فألفوا في هذه العلوم المختصرات والمطولات التي زاد بعضها عن التسعين مجلدًا، وبل وقاموا بنظم بعض العلوم وأقرب مثال لذلك «جوهر النظام» للإمام عبد الله بن حميّد السالمي (ت: 1332هـ/1914م)، و «سلاسل الذهب» للشيخ محمد بن شامس البطَّاشي الذي نظم «شرح كتاب النيل» للإمام محمد اطفيش في 124 ألف بيت، وانتهى من ذلك في سنة 1390هـ (1).

وأيضا فإننا سوف نجد أنَّ لليراع العماني لمسته الخاصة به، فهو غير مقلِّد أو مقتات على ما تناثر من موائد الآخرين العلمية، بل إنه يراع ناقدٌ فاحص معلِّق، يأخذ المفيد ويترك السقيم بعد أن يُعلِّق عليه ويتعقَّبه.

دعونا من الكلام العام، ولنأت إلى الأمثلة الحيَّة لنستشهد بها على ما ذكرنا قبل قليل، وسأكتفي بذكر أمثلة على مؤلفات عمانية ظهرت في القرون الهجرية الثلاثة الأولى:

لقد اهتم العمانيون بالتأليف منذ القرون الهجرية الأولى بل من القرن الهجري الأول، فالإمام المؤسس للمذهب الإباضي الإمام أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (18 ـــ 93هـ) ترك لنا موسوعة علمية نفيسة تعرف بـ «ديوان الإمام جابر» في سبعة أحمال، وقد عدَّه بعض الباحثين أوَّل من جمع الحديث في ديوان، وعُدَّ من أوائل المؤلفين في الإسلام، إلاَّ أن هذا الديوان ضاع بسبب الفتن والحروب (2).

ولكن بقيت بين أيدينا نصوصٌ من تآليفه وهي: «كتاب الصلاة» لا يزال مخطوطا بجزيرة جربة بتونس، ولعله جزءٌ من ديوانه المفقود، وقد ذكر عنه د/ عمرو خليفة النامي معلومات هامة في أطروحته، وحقَّقه تحقيقا أوَّليا، ومنه نسخة مخطوطة بالمكتبة البارونية. ومن مؤلفاته التي حفظتها لنا يد القدر أيضا «كتاب النكاح» وهو كذلك لا يزال مخطوطا بجربة، ولعله أيضا جزءٌ من ديوانه، وقد فهرسه د/ النامي في أطروحته؛ ومن آثاره كذلك مراسلات ومكاتبات وأجوبة لتلاميذه وأصحابه، منها سبع عشرة رسالة موجهة إلى الإباضية في عدة مواطن. ومن آثاره كذلك «فقه الإمام جابر بن زيد» جمع وتحقيق الأستاذ يحيى بكوش، وقد طُبع مرتين، وأخيرا «من جوابات الإمام جابر بن زيد» ترتيب الشيخ سعيد بن خلف الخروصي وقد طبع بعمان (3).

وقد ذكر الأستاذ بكوش أن الشيء المؤكد أن للإمام جابر رحمه الله رسائل متفرقة موجودة اليوم في خزائن الكتب، فمنها ما هو في دار الكتب المصرية، ومنها ما هو في وزارة التراث والثقافة بعمان، ومنها ما هو في بريطانيا، وفي المكتبة البارونية بجربة، ولعلها جزء أو بعض جزء من ديوان الإمام جابر (4).

والإمام المحدث الربيع بن حبيب الأزدي (ولد بين سنتي 75ـــ80هـ، وتوفي بين 175ـــ180هـ) (5) الذي تسلم إمامة المذهب الإباضي بعد وفاة شيخه الإمام أبي عبيدة

٢٤٠ / ٢٦٨