المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
الجزء ١ · صفحة ٧المصاحف العثمانية والأحرف السبعة
(الحلقة الأولى: في نزول القرآن على سبعة أحرف)
الأستاذ: بكير بن محمد الشيخ بالحاج (باشعادل)
أستاذ بمعهد الحياة
استعرضتُ في العدد السابق من هذه الدورية "دورية الحياة" مراحل توثيق القرآن الكريم، وأشرتُ في ختام البحث إلى أنَّ هناك جوانب من توثيق نص كتاب الله العزيز جديرة بمزيد من الكلام قصد دفع بعض الشُّبَه التي يُخشى أن يجد أعداء الدين فيها مطعنًا في القرآن الكريم، ولكن هيهات ﴿وَيَابَى اللَّهُ إِلآَّ أَنْ يُّتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (1). من ذلك قضية نزول القرآن على سبعة أحرف، وما ثار في شأن تأويلها بين العلماء الأجلاَّء من اختلاف، ثمَّ دعوى كتابة عثمان رضي الله عنه المصحف الإمام على حرفٍ واحدٍ من هذه الأحرف السبعة، وحملِ الناسِ على القراءة به دون ما سواه من الأحرف.
موضوعٌ مشكلٌ لم أر من اختلاف العلماء في شيءٍ مثل اختلافهم في تأويل هذه الأحرف. ودعوى حمل الناس على واحدٍ منها زادت الطين بلَّة والاختلاف اتِّساعًا.
إنَّ المرء أمام الحشد الهائل من آراء فطاحل العلماء في تأويلها، وما بينها من تناقض - أحيانًا- ليحتار بأيِّ رأيٍ يتمسَّك وأي سبيل يسلُك، ولا يكاد يطمئنُّ إلى قول حتَّى يرى في غيره ما ينقضه من الأساس، ثمَّ يرى أنَّ هذا لم يسلم هو بدوره من الانتقاد، وهلمَّ جرًّا.
فما هذه الأحرف السبعة؟:
للحرف مدلولات كثيرة، قال الفيروزابادي في "القاموس المحيط" في مادة (ح ر ف):
«الحرف من كل شيء طرفُه، وشفيرُه، وحدُّه، ومن الجبل أعلاه المحدَّد … وواحد حروف التهجي، والناقة الضامرة أو المهزولة أو العظيمة، وسيل الماء، وآرام سود ببلاد سُليم، وعند النحاة ما جاء لمعنى ليس باسم ولا فعل» [اهـ].
فهو بهذا لفظٌ مشتركٌ بين عدَّة معان يُفهم المقصود منه بالقرينة، غير أن لفظ الأحرف السبعة أصبح حقيقة شرعية، مثل استعمال الشرع لفظ الصلاة على العبادة المخصوصة، وإن كانت في وضعها اللغوي لمطلق الدعاء، ومثل الحبوب الست في الزكاة، ومثل الأصناف الربوية الستَّة، فحيثما ذكرت الأحرف السبعة فُهم من ذكرها تلك الأحرف التي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ القرآن أُنزل عليها.
وقد وردت في شأنها أحاديث كثيرة بطرق عدَّة وأسانيد شتَّى حتَّى بلغت حدَّ التواتر فيما حكاه أبو عبيد القاسم بن سلاَّم؛ رواها من الصحابة عددٌ لا يُحصى. فقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده الكبير أنَّ