الافتتاحية لمحمد ناصر بوحجام
الجزء ١ · صفحة ٢المعلومات، وأقوم بواجبي بها، فهي لا تليق لهذا … فرَسَخ في أذهان أبنائنا روح الانهزام، وثبُت فيهم حقيقة التخلُّف، ونما فيهم خلُق الكراهة لهذه اللغة المسكينة، وزكا فيهم معضلة التبعيَّة.
نسأل هؤلاء الإخوة الكرام: لماذا نجح إخوانكم العرب في أداء الرسالة؟ كيف تمكَّنُوا من التخلُّص من عقدة التبعيَّة لغيرهم في لغته؟ ونقاضي هذا المدَّعي: ماذا فعلت أخي العزيز لتنمِّي في نفسك ملكة التحدُّث باللغة العربيَّة، لغة القرآن، لغة العبادة، لغة الأصالة، لغة الحضارة، اللغة التي تحفظ فكرك، وتقيك من الانسلاخ والاستلاب؟
هل يمكن أن نشبِّه وضعنا اليوم بحالنا وقت الاستعمار؛ حين كان عدوُّ الإسلام والأصالة يحارب اللغة العربيَّة، ليقضي على الدين، وعلى المقوِّمات الأساسيَّة للأمَّة، ويطمس المعالم الرئيسة للشعب، ويكرِّس التبعيَّة له، وينشر روح الكراهيَّة لكلِّ ما هو أصيل، ولكلِّ ما يرسِّخ الانتماء … هل يمكن لنا أن نتبنَّى هذه النَّظرة؟ الجواب بحوزة كلِّ من يسير في هذا الاتِّجاه، وفي عقل كلِّ من يفكِّر في غير توجُّهات الأمَّة، ويحلِّق في غير سربه الحقيقي، وفي قلب كلِّ من يحمل عاطفة تغاير وتناهض مشاعر الأمَّة.
أنا أقول: إنَّ حالنا اليوم لا يختلف كثيرًا عن وضعنا زمان الاستعمار، حيث كانت الثقافة الدينية ضعيفة: غلوًّا في الجمود، أو إفراطًا في التحلُّل من الدين، أو الدعوة إلى الاندماج والتجنيس، والانقطاع عن الماضي، والارتماء في أحضان المدنيَّة الغربية وحضارتها … فكان من مظاهر ذلك ضعفٌ في معرفة اللغة العربيَّة، وضعفٌ في حرارة الانتماء إلى فكرها، وضعفٌ في حمايتها. (إلاَّ أنَّ جهود بعض العلماء وذوي الغيرة على هذا المقوِّم الأساس كانت بالمرصاد لهذه الأحوال، وكانت النتائج الإيجابيَّة في هذا ملحوظة). حتَّى قال أحدُهم ويُدعى (عصمت سليم): « … إذن يحقُّ لنا أن نقول إنَّ اللغة العربيَّة عندنا تلفظ النفس الأخير، فهي على وشك الاضمحلال ـ والقبر فاغر فمه ـ إن لم يَرزُق الله لها رجالا عاملين يفدونها، ويرجعون إليها رونقها الدَّاثر وبهاءها القديم» (2).
من العجيب أنَّ الروح التي كان يملكها بعض الوطنيِّين نحو لغتهم وقت الاحتلال الفرنسي، مفقودةٌ عند كثير ممَّن يَنعمُ الآن بنعمة الاستقلال، لقد كفر هؤلاء هذه النعمة، فبقوا رهيني محبسهم الفكري؛ فبعض المثقَّفين باللغة الفرنسيَّة كانوا يحسُّون بالغربة الثقافية والفكريَّة بسبب جهلهم للُّغة العربيَّة، وارتباطهم باللُّغة الفرنسيَّة، أداةً للكتابة والتحرير والتعبير. ينقل الشَّيخ إبراهيم أبو اليقظان تصريح شابٍّ جزائري ألقى خطابا باللغة الفرنسيَّة في حفل تأسيس النادي العربي بباريس: «كم يحزنني ويمزِّق نياط قلبي أن أكون عربيَّ الأصل، عربيَّ النزعة، فلا أستطيع أن أخاطبكم إلاَّ بلغة الأجنبي، وأن أستمع لخطبكم، فلا أفهم منها إلاَّ نبراتكم التي تهزُّ جوانحي، وأرى حماستكم فأكاد أطير جنونًا بكم» (3).