نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا
الجزء ١ · صفحة ٥٧نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا
أ/ محمد بن صالح حمدي (*)
مقدمة:
إنَّ الشريعة الإسلامية تتميز بالشمولية والمرونة وصلاحيتها لكل عصرٍ وزمان، فإذا كان الجانب التعبُّدي منها ـــ وهو ما يسمى بفقه العبادات ـــ يتقيد بالنص الشرعي ولا مجال فيه للاجتهاد، وجاءت في هذه النصوص تفاصيلها وجزئياتها، فالمسلم مكلَّف بأداء الفرائض كالصلاة والصوم ولو لم يدرك الحكمة في بعض جوانبها؛ فإنَّ فقه المعاملات الذي يتعلق بعادات الناس وعلاقتهم فيما بينهم غير ذلك؛ فقد وضع الشارع الحكيم القواعد العامَّة الذي تحكمه، والمبادئ الأساسية التي تضبطه، ثم ترك لنظر الناس ما يراه صالحًا لهذه العقود، فهو مجال للاجتهاد والابتكار في إطار تلك المبادئ والقواعد، وهو أيضًا مفهوم العلَّة معقول الحكمة، والأصل فيه الإباحة، إلاَّ ما جاء نصٌّ صحيح الثبوت صريح الدلالة يمنعه ويحرِّمه، فلا يُقال لعالمٍ: أين الدليل على إباحة هذا العقد أو هذه المعاملة؟ أو يقال: إنَّ هذه المعاملة لم يقل بها فقهاء السلف الصالح، فمادامت مُسايرة لروح الشريعة ومقاصدها وغير مصادِمة لنصٍّ شرعي فهي مُباحة شرعًا. كما يمكن تكييف وتغيير بعض المعاملات الشائعة عند غير المسلمين وجعلها تتماشى مع الشرع الحنيف، كما فعل النبيء صلى الله عليه وسلم ببعض العقود المعروفة عند قريش في الجاهلية، فهذَّبها وأدخل عليها بعض الشروط، مثل المضاربة، أو عقد السَّلَم الذي وجد أهلَ المدينة يتعاملون به.
فلا غضاضة أن يستفيد المسلمون الآن من أنواع العقود التي ابتكرها الغرب في مجال التسيير والإدارة بشرط تكييفها وإخضاعها للشريعة السمحاء.
فقه المعاملات عند الإباضية:
لو تتبعنا المصنفات الفقهية لمختلِف المذاهب الإسلامية لوجدناها تُولي أهمية كبيرة لمباحث المعاملات، كما صُنِّفت مصنفات خاصَّة مستقلَّة تتعلَّق بالفقه المالي منذ بداية عصر التأليف، فهذا