مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

أهمية فهم القرآن وتدبره في حياة الإنسان المسلم

الجزء ١ · صفحة ١٧

أهمية فهم القرآن وتدبره في حياة الإنسان المسلم

أ/ يحيى بوتردين (*)

مقدمة:

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المبعوث بالرحمات، محمد خاتم النبوات، وعلى آله وصحبه والتابعين والتابعات. وبعد ..

إنه لمن المجازفة التي لا تؤمن عواقبها، أن يتحدث المرء عن القرآن وأهمية تلاوته وتدبره في المجتمع الإسلامي الذي يعرف في الأصل بأنّه مجتمع القرآن، يتلوه أفراده في ختمات متواصلة بمساجدهم ومصلياتهم وبيوتهم ومتاجرهم، بل ويفرقونه فيما بينهم في سائر تجمعاتهم، حتى غدا جزءا منهم يُعرفون به في الغالب الأعم بين الناس. إلاّ أنه من الإنصاف (2) أيضا أن يذكر ومن باب النقد الموضوعي للواقع، أنّ علاقتنا بالقرآن وإن كان فيها ذلك الحماس أو تلك الحرارة، تبقى غير مستجيبة دائما للشروط والقواعد التي وضعها منزل القرآن في كتابه العزيز، والغاية التي من أجلها نزل، لأنه تبارك وتعالى أراده سببا للصلة بينه وبين عباده يُرشدهم به إلى سبل السلام في الدنيا، ويذكرهم بما ينبغي أن يلتزموا به من تعاليمه للفوز في اليوم الآخر.

إن ما يلاحظه العام والخاص هو أن هذا القرآن وإن كثرت تلاوته وتعدَّدَ حفَّاظُه وأقيمت له الحفلات تلو الحفلات، فإنه لا يزال غير ظاهر فينا سلوكا وأخلاقا ونظام حياة، ما دام الجهر بالسوء لا يزال متفشيا، فمن مستحل للربا جهارا ولا يبالي، ومن تارك للصلاة أو متهاون بها بشكل يقطع عذره، ومن مقترف للزنى وسائر المنكرات ولا يبالي، ومن متخذ سباب الدين والرب تسبيحة يكررها بوعي أو بدون وعي صباح مساء ولا يبالي، ومن مستحل لأنواع اللهو والمجون السافلة باسم الفن تارة والثقافة أحيانا، كسماع الغناء الساقط والرقص واتخاذ الخليلات والشذوذ، واستحلال النظر إلى العورات وكشفها في الملاعب والمسابح والشواطئ، والمتاجرة بأعراض الناس غيبة ونميمة حيث لا ينفع وعظ ولا إرشاد ولا يبالي، ومن متخذ هواه غاية دون الله فلا يرى حرجا في ابتزاز أموال الناس بالحيلة أو تزوير عقود ممتلكاتهم وبيعها، ثم لا يبالي، ومن سامع بالمنكر أو شاهد فعله وفي استطاعته الأمر والنهي ولكن لا يبالي … إلخ.

فهذه السلوكات لم تكن لتتفشى في المجتمع بهذا الشكل لو كان للقرآن أثره الفعال في أفراده، ولم يكن لينتشر خبرها لو كانت مجرد نزوات فردية تحفظ ولا يقاس عليها. ولكنها أمست ظاهرة اجتماعية مستوجبة البحث والدراسة (3) والمعالجة.

فهلاَّ جعلنا لتلاوتنا القرآن صباح مساء أثرا تترجمه جوارحنا وأفكارنا وطريقة حياتنا؟ وهلاّ اجتهدنا جميعا من أجل إعادة النظر في علاقتنا بالقرآن الكريم؟

١٧ / ٢٦٨