مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢١٧

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

د/ محمد زغينة

جامعة باتنة

أ ـــ المفهوم والمصطلح:

«المحاورة: هي المجادلة، وتدور حول اعتقادات وقناعات معينة، وتتميز بطابع التضاد، معتمدة في ذلك على تعارض المعايير القيمية أدبيًّا» (1).

فالحوار إذن: تبادل الكلام بين اثنين فأكثر، وهو نمط تواصلٍ، حيث يتبادل ويتعاقب الأشخاص على الإرسال والتلقي (2). بينما يرى الدكتور شوقي عبد الحكيم صاحب موسوعة الفلكلور والأساطير العربية أنَّ «الثنائية في تراثنا: مؤثر آري؛ فارسي، وهي مأخوذة من الصراع المتصل بين إله الخير ـــ في المجوسية ـــ أهوزمزدا، وإله الشر إهريمن، وكان هذا منذ أكثر من أربعة آلاف عام» (3).

وتذهب بعض الآراء إلى أنَّ الحوار، أو الثنائيات أبعد من ذلك إذ تعود إلى اليونان بل إلى أسطورة الحسين والأصيل، وأسطورة نعناعة، والإله والحمار، مرورًا بصراع إبراهيم عليه السلام والنمرود، بل أعمق من ذلك إذ تمتدُّ إلى حوار ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل (4). وعلى العموم فإنَّ الحوار أسلوب حضاري في التعامل والإقناع، ووسيلة استخدمها القرآن الكريم، كما التجأ إليها الكثير من العقلاء.

ب ـــ الحواريات الثنائية «المناظرات» عند أبي اليقظان:

هذه الحواريات الثنائية التي صب فيها أبو اليقظان فكره وأدبه الإصلاحي يمكن تصنيفها في خانة المناظرات، لأنَّها تشبه المناظرة حسب أحمد الشايب الذي يعرِّفها بقوله: «ضربٌ من الكلام يشترك فيه اثنان على الأقل، يحاول كلُّ منهما إثبات رأيه وإبطال رأي خصمه بالحجَّة والبرهان» (5).

وهذا ما نلمسه في حواريات أبي اليقظان التي يُجري فيها حوارًا بين شيئين أو قيمتين أو مؤسَّستين، أو شخصين، أحدهما ـــ عادة ـــ يمثل الماضي والآخر يمثل الحاضر، أي أنَّ أحدهما يمثل السلبية والآخر يمثل الإيجابية. ويحاول أبو اليقظان عن طريق هذا الحوار معاضدة «الإيجابي» لترسيخه في المجتمع، وقطع دابر «السلبي»، أو ألاَّ ينتصر للمتحاورين وذلك بأن يدع أحدهما يعترف بذلك، أو يحاول أن يوفِّق بين حسنات هذا، وحسنات ذاك، ثم تكون النهاية بالتكامل.

وهذه الحواريات عبارة عن حشد من المعلومات المتراكمة عبر التاريخ حول القصية التي حولها المتحاوران أو المتناظران. والمتأمل في الأدب الجزائري الحديث يجد أن بعض الأدباء قد كتبوا هذا النوع من الأدب كما يقول الركيبي: «بالنسبة للنثر فإنَّنا لم نعثر على هذا الشكل الأدبي قبل مناظرة الشيخ عبد الرحمن الديسي (6)، التي أطلق عليها: مناظرة بين العلم والجهل، على أنَّنا لا نستبعد إطلاقًا أن يكون هناك من كتب مناظرات قبل هذا الأديب» (7)، وهذه المناظرة كانت من ألطف أدبه (8). وإذا عدنا إلى القواميس الأدبية فإنَّنا نجدها تعرٍّف هذه الظاهرة أو الفن الأدبي: «المناظرة نوع من المحاضرة يشترك فيها اثنان أو أكثر ويتَّخد كلٌّ موقفًا معيَّنا يدافع عنه بالأدلَّة والبراهين، ويحاول قدر استطاعته ومهارته أمرين واضحين: تأييد رأيه، وتخطئة رأي الفريق الآخر» (9). كما أنَّ هذه المحاورات تشبه ما يسمى بالمناقشة ( Discussion) أو المجادلة التي تعني «مجادلة في موضوع وبحث يشترك فيه خصمان على الأقل، يكونان عادة غير متَّفقين على رأي واحد عند الانطلاق، وقد تنتهي المناقشة إلى موقف مشترك، أو يبقى كلٌّ من المتجادلين محتفظًا بقوله وبرأيه» (10).

٢١٧ / ٢٦٨