فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
الجزء ١ · صفحة ٢٥فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)
محمد أحمد جهلان
دخل الفكر العربي في انقسامات حادَّة إثر صدمته بالحداثة منذ القرن التاسع عشر، توزَّع على أعقابها إلى اتجاهات وتيارات عديدة تناولها الدارسون ضمن تصنيفات متعددة. وإذ يحاول هذا البحث الاشتغال على آراء بعض المفكرين العرب المعاصرين، وبالضبط في نظرتهم للنص القرآني والسبُل التي يرونها الأمثل لفهمه، فإنه مضطرٌّ للتعامل مع تلك الآراء ـــ مع الإشكاليات المترتبة عنها ـــ بأمانة تقتضي الحذر والتحفُّظ. على أنَّ هدف البحث الرئيس ليس البرهنةُ على جدوى تلك الآراء أو عدمِها، بقدر ما يحاول تلمُّس تمايزات الخطاب الحداثي، والعقبات التي تواجهه في سياق سعيه لصياغة وسائل جديدة في التعامل مع النص القرآني وطرُق فهمه (1).
واجهت خطاب الحداثة مآزق ومعضلات، ومقولات ولدت معه، فلقد بات مصطلح "الحداثة" في الخطاب الإسلامي والعربي المعاصر بشكل عام ـــ وفي مناهج فهم النصوص الدينية بشكل خاص ـــ مثار توهُّج وحساسيَّة في آن معاً، حيث يتم تداوله بكثافة كبيرة، وبتلوينات مختلفة إلى حدِّ التناقض، بدوافعٍ معرفية ومذهبية (أيديولوجية) أحيانًا. كل ذلك أوقع استعمال المفهوم (مفهوم الحداثة) بالتباساتٍ لعبت دوراً سيئاً في تطور الخطاب الإسلامي، ما يفسر لنا ـــ جزئياً ـــ سبب مراوحة هذا الخطاب مكانه حول إشكاليات وقضايا ثارت منذ مطلع القرن الماضي.
وبالمقابل فقد تجمَّعت دواعي كثيرة للفكر "السلفي" (2) كي يرفض "التجديد" بشكل عام و"الحداثة" بوجه خاص، ويتحسَّس منهما، معتبرًا "الحداثة" مصطلحاً يدلُّ على خطاب مفارق له، ومفهوماً يتناول الأشياء بعقلية مختلفة؛ فإيمانه بكفاءة السلف وقوة "المرجعية التراثية" أفضى للقطيعة مع الغرب على المستوى المعرفي ـــ على الأقل ـــ في حقول المعرفة الإنسانية المتعددة، وتتحوَّل تلك القطيعة إلى "عداوةٍ" شاملة للغرب متغذية بالظروف السياسية، ممَّا سبب "تطابُق" المعرفي والفكري بالسياسي، فالغرب هنا يصبح وحدة واحدةٌ لا تتجزأ … وهكذا تشبَّع الذهن السَّلفي بنظرية "المؤامرة".
على أنَّ المتدبر للأمور يرى أن تيار الحداثة ـــ "العلماني" منه بالخصوص ـــ قد أسهم بدوره في الإساءة إلى اتجاه النهضة والتجديد الإسلامي وإلى طبيعة التعامل مع النصوص الدينية، هذا فضلاً عن النزعة النقدية "الاستفزازية" التي يتَّسم بها هذا التيار غالباً، الأمر الذي أوجد مبرراً مهماً للعدوانية التي يبديها "الفكر السلفي"، من خلال إنشاء اتهاماته و"تخويناته"!
وإذا كان من العسير في هذه العجالة الإحاطة بجميع آراء المفكرين العرب "الحداثيين" أو "ما بعد