مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الأسرة الجزائرية في مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية الراهنة - تشريح وضع ورؤية نحو الانفراج

الجزء ١ · صفحة ١٧٦

الأسرة الجزائرية في مواجهة آثار الأزمة الاقتصادية الراهنة - تشريح وضع ورؤية نحو الانفراج

أ/ حُجاج قاسم

ما فتئت الأسرة الجزائرية تواجه خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة أزمة انتقالية متعدِّدة الأبعاد والمستويات مع التحوُّل الجديد الذي تشهده البلاد ممَّا جعل أسرتنا الجزائرية تعيش طيلة هذه المدَّة نهاية عشرية أوهام الرفاهية وبداية عشرية حقائق صدمة التحوُّل والرجوع إلى طبيعة الأشياء في حياتنا الاقتصادية.

لقد تمَّ هذا التحوُّل العنيف، المؤلم بعد أن تبنَّت البلاد سياسة العلاج والجراحة بالصدمة للاختلالات البنيوية العميقة للاقتصاد الجزائري المسيَّر مركزيا والذي يعاني مديونية خارجية وداخلية خانقة وعجز في ميزاني التجارة الخارجية والمدفوعات .. سياسة فرضتها علينا الدول والمؤسسات المالية الغربية الدائنة بقيادة "الأفامي" بغرض إعادة هيكلة الاقتصاد الجزائري لتسريع عملية التحول من نموذج التنمية الاشتراكية الممركزة القائم على الصناعات التصنيعية المكلفة إلى نموذج التنمية الرأسمالية في ظل عولمة نموذج الليبرالية الجديدة ذات التوجه المتمركز حول قوى السوق على حساب قوى المجتمع الأخرى ممَّا أظهر آثارا غير إنسانية زادت من غنى الغني وفقر الفقراء، بل ووسعت من دائرة الفقراء على حساب الطبقة الوسطى عبر العالم بأسره فضلا عن بلادنا.

إنه انتقال يجري - إراديا وقسريا - على نار حارَّة وأجواء ساخنة وأعصاب متوتِّرة وأوضاع متقلبة، وإرهاب دموي إجرامي أعمى أو مبرمج، طالما لبَّد سماء الجزائر بسحب سوداء من الدماء والأشلاء والأهوال والفتن التي ولدت الإحباط والأحزان واليأس والتشاؤم والحيرة وحياة الضنك والمنفى، وفقدان الكثير من معالم السير لدى العام والخاص، في ظل كوكتيل من الاضطرابات لا سابق لها.

مما يتطلب ممن يواجه هذه الأوضاع المتأزمة أن يتسلح بإيمان قوي متجدِّد، وعزيمة فولاذية عزيزة، وعقل رصين، وحكمة بالغة، وصبر جميل، مستعينًا بالله قبل ذلك وبعد؛ ﴿وَمَنْ يَّتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (1).

﴿وَامُرَ اَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ للتَّقْوَى﴾ (2).

ذلك أنَّ التغير أو التحوُّل الذي نشهده يبدو متزامنا مع - أو استجابة - لاتجاه ثقيل وقوي ( tendance lourde et fort) على مستوى الكوكب ويتمثَّل عندنا بالانتقال من اقتصاد مخطَّط، مركزي، أوامري، بيروقراطي، جامد يعتمد على القطاع العام كمحرِّك وقاطرة للتنمية إلى اقتصاد سوق رأسمالي لا مركزي، ديناميكي، يعتمد على القطاع الخاص كمحرك وقاطرة للتنمية.

اتجاه يتمظهر في شكل تقنينات سياسات نقدية، مالية، تجارية، خذماتية … مثل الخوصصة، إزالة

١٧٦ / ٢٦٨