وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين - الوقف والزكاة نموذجا
الجزء ١ · صفحة ١٠٦والوقف بهذا المعنى قديم، وكان موجودًا عند غير المسلمين أيضًا، ويظهر ذلك بالخصوص في المعابد وتوابعها لأنَّها كانت مشاعة بين المعتقدين فيها، فالبيت الحرام والمسجد الأقصى كانا موجودين قبل الإسلام، وكان الناس ينتفعون بهما على الشياع، وكذلك كان الحال بالنسبة للمعابد والكنائس عند غير المسلمين، فهي لا تدخل في ملكية شخصٍ بعينه. كما كان الناس يعقدون عقود البيع وعقود الزواج وعقود الإجارة قبل الإسلام أيضًا، وقد اعترف الإسلام بذلك ولكنه وضع له نُظمًا وقوانين ضابطة، وهكذا يكون الوقف موجودًا بمعناه فقط قبل الإسلام) 3 (.
ونلاحظ أنَّ الوقف في الإسلام تجاوز المعابد إلى غيرها من المنشآت وأنواع الصدقات، فهو يشمل جميع أنواع البر والإحسان، كالوقف على الفقراء والعتقاء والمجاهدين والمحتاجين والأقارب والذريَّة، إضافة إلى المؤسسات التي سنشير إليها، وهناك فرق بين الوقف والهبة، ذلك أنَّ الهبة مملوكة للموهوب له، أمَّا الوقف ففي حكم ملك الله.
وللوقف صيغة يجب احترامها، ولا تُعتبر العين موقوفة إلاَّ إذا توفَّرت، وهي:
أوَّلا: إنشاء العقد بالقول أو الإشارة أو الكتابة، فإذا خلا العقد من أحد هذه الأمور كان عقدًا باطلاً أو فاسدًا.
ثانيًا: أن تفيد الصيغة الإنجاز، أي ألاَّ تكون معلَّقة على شرط، فإذا عُلِّقت على شرط غير موجود كان الوقف باطلاً) 4 (.
ثالثًا: أن تفيد الصيغة التأبيد والدوام، لأنَّ التوقيت يبطل الصدقة، فالوقف الموقوت فاسد.
رابعًا: عدم اقتران الصيغة بشرط يؤثِّر على أصل الوقف، مثل اشتراط الواقف حقَّ التصرُّف في داره بعد تحبيسها بالبيع ونحوه، أو اشتراطه حقَّ الرجوع بعد أن يكون قد حبس داره مسجدًا. أمَّا إذا كان الشرط متعلِّقًا بالمنفعة أو الغلَّة فهو جائز كتحويل ريع الأرض من شخصٍ إلى آخر، أو تحويل المنفعة المنجرَّة عن الوقف إلى جهة أخرى.
كما أنَّ هناك شرطًا يجب أن تتوفر في الواقف نفسه، ومن أبرزها:
أولاً: أن يكون حرًّا في التصرُّف في ماله، لأنَّ العبد لا يجوز له ذلك لأنَّ ماله ملك لسيِّده، لكن يجوز للعبد الوقف نيابة عن سيِّده.
ثانيًا: أن يكون الواقف عاقلاً بحيث لا يصحُّ الوقف للمختلِّ عقليًّا.
ثالثًا: أن يكون مختارًا في فعله لأنَّ المُكره لا يصحُّ منه الوقف. كما يشترط في الواقف أن يكون بالغًا، وراشدًا، أي غير محجر عليه، ولا مفلسًا، ولا سفيها.
ومن أبرز الشروط في هذا المجال أن لا يكون المال المراد وقفه كلُّه مستغرقًا في الدين، أمَّا شرط الإسلام فليس ضروريًّا، إذ يصحُّ الوقف من غير المسلم أيضًا، بشرط أن يكون قربة في نظر الإسلام، ويصحُّ الوقف أن يكون عينًا أو نقدًا. ومن شأن الوقفية أن تنصَّ أيضًا بالتفصيل على أوجه الصرف في مختلف المجالات.