وسائل الاتصال والتواصل بين المسلمين - الوقف والزكاة نموذجا
الجزء ١ · صفحة ١٠٧والخلاصة أنَّ الوقف لا يكون صحيحًا إلاَّ إذا كان طبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، كالعقارات المملوكة ملكًا صحيحًا، أمَّا إذا كانت الملكية غير صحيحة كالأراضي التي يحبسها السلاطين أو كان من الأراضي الأميرية، فلا ينطبق عليها شروط الوقف الصحيح، إذ يُعتبر من قبيل تخصيص قطع من الأراضي من السلطة إلى جهة ما للاستفادة منها.
وينقسم الوقف إلى نوعين: الأول هو الوقف الذرِّي أو الأهلي، وهو الوقف على الأولاد والأحفاد والأقارب. والثاني الوقف الخيري؛ ويقصد به وجه الخير ابتداءًا واستنادًا للحديث المذكور: «إذا مات ابن آدم … »، ومن ثمَّة يصبح المقصود بالوقف الخيري هو الصدقة الجارية، وهذا النوع من الوقف (الخيري) هو الذي شاع عبر التاريخ الإسلامي، وأدَّى دورًا اجتماعيًّا وثقافيًّا بارزًا.
ذكرنا أنَّ الوقف كان معروفًا مند العصر النبوي، وقد شارك فيه عدد من الصحابة، مثل عمر بن الخطَّاب، ثم أصبح معروفًا على نطاق واسعٍ منذ العصرين الأموي والعباسي. وكلَّما تقدَّم التاريخ الإسلامي ازداد الوقف انتشارًا في مختلف البلدان، ولا سيما في مصر والشام. وفي كثير من الحالات كانت الأرض ملكًا للدولة، ولذلك لم تكن موضع وقف، وكان عُمَّال الأرض يعملون عليها كأجراء لا مُلاَّك، أمَّا ما يصل منها إلى يد الحاكم فهو خراج أجرة، فإلى عهد الإخشيديين كانت الأوقاف في مصر لا تشمل الأرض الزراعية، وإنَّما الدور والرباع فقط، ويذكر المقريزي أنَّ ابن طولون حين بنى الجامع والمارستان لم يحبس عليهما الأرض، وإنَّما حبس عليهما الرباع ونحوها.
وفي العهد الأيوبي والمملوكي كثر وقف الأراضي، وصارت للأوقاف دواوين، منها ديوان أحباس المساجد، وديوان أحباس الحرمين الشريفين، وديوان الأوقاف الأهلية (الذريَّة)، وكان القضاة هم المتولين للأوقاف والإشراف عليها، ولا سيما الأوقاف الأهلية) 5 (. ثم أصبحت إدارة الوقف هي المتوليَّة للأوقاف العامَّة بعد انقراض الذريَّة، وكانت هذه الإدارة هي التي تعيِّن من يشرف على الوقف عند المنازعات أو عند المحاسبات على الصرف، أو عند عدم بلوغ المتولِّي رشده، ويظهر أنَّ الوقف الذي كان يديره متولٍّ ملتزم بشروط الواقف كان أكثر أنواع الوقف سواء أكان ذريًّا أو خيريًّا) 6 (.
إنَّ الوقف يقدِّم خدمة جليلة للمجتمع الإسلامي لأنَّه من الصدقات الجارية، كما ذكرنا، فهو يخدم أغراضًا عديدة تصبُّ كلُّها في تكاثر أبواب الخير، وقد أسهمت كلُّ البلاد الإسلامية في الأوقاف، فكثُرت بها المؤسسات الدينية والتعليمية والصحِّية والاجتماعية؛ فكان هناك تكامل بين مختلف قطاعات الخدمات في المجتمع، أمام غياب الوزارات المعروفة اليوم. ذلك أنَّ الوقف كان يقوم بما تقوم به اليوم وزارات: التعليم، والشؤون الاجتماعية، والصحيَّة، والشؤون الدينية، وهلمَّ جرًّا، إضافة إلى ما تقوم به الجمعيات المدنية والثقافية والخيرية.
وعندما شاع الظلم والفساد في بعض المجتمعات لجأ الناس ولا سيما في العصرين المملوكي