مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

ابن خلفون - نبذة عن حياته وأجوبته الفقهية

الجزء ١ · صفحة ١١٥

الإِسلاَمِيَّة، مطَّلعا عَلَى كتب أهل الخلاف، وَرُبَّمَا اعتمد في ذَلِكَ عَلَى عصاميته، لأَنَّ البيئة التي وُجد فيها لم تكن في مستوى تقبُّل مثل هَذَا التفتُّح، وقد أَلِفت الأسلوبَ التقليديَّ، الذي يربط العالِم بمذهبه.

وقد جرَّ عليه هذا التفتُّح متاعب جمَّة ـــ رغم ما عُرف عنه من دفاعه عن مذهبه بالحجَّة والدليل ـــ إذ هَجَرهُ بعض الفقهاء وقتًا غير قصير، امتدَّ حوالي اثني عشر عاما، متَّهمين إِيَّاهُ بالاستهانة بكتب المذهب الإِبَاضِيِّ، والتهاون في التمسُّك بها، غير أَنَّهُم غيَّروا موقفهم منه آخر الأمر، واعترفوا بفضله، لَمَّا تبيَّن لهم مستنده وهدفه، وصدق منهجه، وخلوص نيته.

ثانيا ـــ آثار الشيخ ابن خلفون:

أَمَّا عن آثاره فمِمَّا يؤسف له أَنَّ المصادر لا تشير إِلىَ أسماء تلاميذه، عَلَى الرغم من تأكيد بعض المُؤَرِّخِينَ عَلَى أَنَّهُ كان يدرِّس، وبشكل جَيِّد؛ إذ يشير الدرجيني إِلىَ هَذَا بقوله: «إنْ درَّسَ فلقَّن أحسن تلقين» (6)، ويضيف الشيخ علي يحيى معمَّر ـــ ودون أن يحيلنا عَلَى مصدره ـــ أَنَّهُ «كان بارعا في الشرح والإيضاح عند التدريس، عذب الحديث، فكان طلاَّب العلم يتزاحمون عَلَى مجلسه» (7). وَهَذَا ما لا نستبعده، لأمور منها:

* ـــ أَنَّ بعض الفقهاء في فترة المقاطعة التي أُعلنت ضِدَّ الشيخ كانوا يمنعون طلبة العلم من الاتِّصَال به (8).

* ـــ أَنَّ ابن خلفون ـــ بعد فترة المقاطعة ـــ كان مرجع الحُجَّاج في نوازلهم واستفتاءاتهم (9).

* ـــ أَنَّ البيئة التي عاش فيها الشيخ كانت تزخر بالعلماء وحلقات التدريس للطلبة من مختلف الآفاق، في إطار النظام المسمَّى بنظام العَزَّابَة.

أَمَّا عن إنتاجه فلم يحفظ لنا الزمن غير عَمَلَيْنِ لهذا العالم، هما: رسالة إِلىَ أهل جبل نفوسة لا تزال مخطوطة، وأجوبة فِقهِيَّة مطبوعة.

وَإِنَّ الباحث قد يتساءل: لِمَ لَمْ يترك ابن خلفون كِتَابًا شاملا لأبواب الفقه (ابتداء من الطهارات إِلىَ المعاملات) مع سعة علمه واطِّلاعه، وتمكُّنه منها، إذ وصفه الدرجيني بِأَنَّهُ «المتحقِّق الوصول إِلىَ الغاية في علم الفروع والأصول … » (10)؟ يجيب الدكتور عمرو النامي بِأَنَّ ازدهار مكتبة الفِقْهِ الإِبَاضِيِّ بالمؤلَّفات الشاملة للأبواب الفِقْهِيَّة، والتي تعدُّ بالآلاف في عصره وفي بيئته المغربيَّة، لَعَلَّهُ كان الدافع «إِلىَ الاقتصار عَلَى عرض تلك المسائل المحدودة بِذَلِكَ المنهج الجديد المتميِّز، وصرف همَّته عن التأليف الموسَّع في مسائل الفروع والأصول التي عُرف بسعة باعه فيها والتمكُّن منها» (11).

وَعَلَى كُلِّ حال سنحاول عرض لمحة عن الرسالتين فيما يأتي:

1 ـــ رسالة إلى جبل نفوسة (بليبيا):

١١٥ / ٢٦٨