مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

ابن خلفون - نبذة عن حياته وأجوبته الفقهية

الجزء ١ · صفحة ١١٩

لخَّص الْمُؤَلِّف منهجه بدقَّة في نهاية أجوبته إذ قال: «ونَقَلْنا ما حَضَرَنا من أقاويل الفقهاء، وأعلمتك مواضع الإجماع، وبيَّنت لك ما اختلفوا فيه، وما حدُّ كُلِّ فريق ودليل مذهبه، وما اختاره أصحابنا من ذَلِكَ عَلَى الأصول القويمة، والمذاهب المستقيمة، وزدت في سؤالك، وأوفيت الجواب والاستقصاء عَمَّا لم تسأل عنه مِمَّا هو تمام لِكُلِّ مسألة؛ لنجعل لك البقية لِمَا سألت عنه عَلَى التحصيل بالإجمال والتفصيل، والاختلاف والتمييز بين ذَلِكَ عَلَى ما جاء من اختلاف الفقهاء في كُلِّ مسألة من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار عَلَى أعصارهم، من موافق ومخالف، ومن وقع منهم الموافقة لأصحابنا في الفتيا ومن يخالفهم، وحيث ينفرد أصحابنا بالمذهب، وحلَّيت كُلَّ مسألة بِبَعْض ما يقع به الاحتجاج من القرآن وأخبار الرسول عليه السلام، ووجوه الأقيسة مِمَّا يقتضيه الاستدلال عَلَى أصول الفقه، وبيَّنت أسماء القائلين من المذاهب، دعاني إِلىَ ذَلِكَ ألاَّ أكتم عليك شَيْئًا من الاختلاف، والتوقيف عَلَى مذهب أصحابنا وما صَحَّ به العمل عندهم» (19).

وبعد تفحُّصنا للأجوبة لاحظنا صدق هَذَا المنهج الذي نلخِّصه في الملاحظات الآتية:

كثرة الاستشهاد بالآيات القُرآنِيَّة والأحاديث النَّبَوِيَّة، ولم يكتف بالأحاديث الواردة في مسند الربيع بن حبيب، وهو مصدر الإِبَاضِيَّة في الحديث، وَإِنَّمَا اعتمد عَلَى مختلف المصادر من الصحاح والسنن والمسانيد، وسائر الكتب الفقهيَّة للمذاهب المختلفة. وإذا لم يجد فيها مبتغاه فَإِنَّهُ يعتمد القواعد الأصوليَّة في الاستدلال، وَهَذِهِ ميزة لا نكاد نجدها في أغلب مُؤَلَّفَات ذَلِكَ العصر عند المغاربة. (انظر مثلا: كِتَاب القسمة وأصول الأرضين لأبي العَبَّاس أحمد بن محَمَّد بن بكر).

الاستشهاد (بعد القرآن وَالسُّنَّة) بأقوال الصحابة وكبار التابعين وَالأَئِمَّة الفقهاء، من الإِبَاضِيَّة وغيرهم، فمن الصحابة نجد مثلا: عائشة، وعمر، وابن عبَّاس، وابن عمر، وجابر بن عبد الله … ومن التابعين: الحسن البصري، وابن سيرين، وابن المسيب، والنخعي والزهري، وعمران بن الحصين، وقتادة وعكرمة، وإسحاق. ومن أَئِمَّة الإِبَاضِيَّة: أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وابن عبَّاد، والربيع، وصالح الدهان، ووائل، وأبا المؤرِّج، ومحبوبا، وضمَّاما، وأفلح، وأبا صفرة … ومن أَئِمَّة المذاهب: جابر بن زيد، ومالك بن أنس، وأبا حنيفة، والشافعيَّ، وأحمد.

ويذكر من مصادره أحيانا: أجوبة الإمام عبد الوَهَّاب (ص34)، وموطَّأ الإمام مالك (ص47)، وَكِتَاب الأموال لابن سلام (ص64)، وَكِتَاب أبي صفرة (ص79)، وَكِتَاب الإشراف لأبي سعيد العماني (ص82)، والتقييد لابن بركة (ص94)، وَكِتَاب أبي سفيان (ص94).

إيراد أقوال الفقهاء المذكورين ـــ وغيرِهم ـــ جنبا إِلىَ جنب، دون غمط لحقٍّ، أو تسفيه لرأي، ويناقش بعلميَّة وموضوعيَّة وهدوء، وهو الأمر الذي يُفتقد في كثير من كتب الفقه القديمة، بل وَحَتَّى في بعض الكِتَابات المعاصرة.

عرض أَدِلَّة الرأي المخالف، حَتَّى يكاد يقتنع القارئ بقُوَّتها، ثُمَّ يَسْتَدِلُّ الشيخ عَلَى رأي الإِبَاضِيَّة الذي يرتضيه بأدلَّة أخرى ينتصر بها، دون تشنُّج أو تعصُّب، وغرضه من ذَلِكَ كما يقول: « …

١١٩ / ٢٦٨