التربية والتعليم في المغرب الأوسط خلال القرون الثلاثة الهجرية الأولى (7 ـــ 9م) الرؤية والمصادر
الجزء ١ · صفحة ١٢٣هذه الأهمية عندما نتناول الفترة الأولى للإسلام في المغرب الأوسط، تلك القرون الهجرية الثلاثة الأولى أي القرن السابع والثامن للميلاد. فكيف كان التعليم؟ وما هو منهجُه إن كان له منهج؟ وما هي مراكز التعليم؟ وما هي المواد التي كانت تدَّرس؟ وهل كان هناك نظام تعليم، أو تعليم منظم بعبارة أدق؟
وكل هذه التساؤلات تندرج تحت عنوان كبير هو «التعليم في المغرب الأوسط: الرؤية» ثم بعد ذلك يأتي العنوان الكبير الثاني وهو «التعليم في المغرب الأوسط: المصادر» وفي كلا العنوانين نتناول كما أسلفنا، تلك الرؤية وتلك المصادر خلال فترة القرون الثلاثة الهجرية الأولى.
ومن المعلوم أن الفترة الزمنية من القرن الأول الهجري إلى آخر القرن الثالث منه (7ـــ9م) تضم ثلاث حقب مهمة في تاريخ المغرب الإسلامي، أو لنقل مراحل وهي: مرحلة الفتوح التي تبدأ من منتصف القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي وتنتهي مع نهاية القرن لتبدأ مع بداية القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي مرحلة الولاة التي تنتهي بقيام الإمامة الرستمية عام 160هـ/ 777م، وهكذا تبدأ المرحلة الثالثة التي تغطيها الإمامة المذكورة إلى آخر القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي إذ سقطت عام 296هـ/ 909م (4).
أولاً: التعليم في المغرب الأوسط: الرؤية:
1ـــ مراكز التعليم:
يعتبر المغرب الأوسط في الغالب ديار زناتة على حد قول ابن خلدون (5)، وزناتة قبيلة بربرية بترية بدوية لا يستقر لها قرار، وبالتالي كانت أبعد من أن تهتم بالتعليم أو تلتفت إليه خاصة في القرن الأول والثاني للهجرة (7ـــ8م) قبل تأسيس كيان الإمامة الرستمية عام 160هـ/777م. ومن هنا يلاحظ ندرة مراكز التعليم في المغرب الأوسط إذ لا تعدو في اعتقادنا بعض المدن الأساسية التي لها دور في الحياة السياسية خلال فترة البحث كمدينة ميلة في إقليم كتامة، وكانت عاصمة المغرب الإسلامي على عهد الفاتح أبي المهاجر دينار
(55 ـــ 62هـ/675م ـــ 681م) وذلك لحوالي ثلاث سنوات 59ـــ61هـ/ 678ـــ680م (6)، ومدينة تيهرت عاصمة الرستميين من 160إلى 230هـ/ 777ـــ808م، ومدينة تلمسان إحدى الولايات الأساسية والمدن المهمة في دولة الأدارسة التي كانت نشأتها عام 172هـ/ 788م واستمرت إلى ما بعد قيام الفاطميين ردحاً من الزمن (7)، وكذلك يمكن ذكر مدينة وارجلان (ورقلة) في هذه الفترة إذ عرفت نشاطاً ثقافياً ملفتاً للنظر خاصة وأنها مدينة صحراوية يقول عنها ابن خلدون: إنها بوابة الولوج إلى المفاوز (8).
ولعل من المراكز التعليمية في المغرب الأوسط تلك المدن التي انفرد بذكرها اليعقوبي أحمد بن واضح (ت 284هـ/ 898م) في بلدانه منسوبة إلى أشخاص علويين (9)، فليس بمستبعد أن يكون