مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة

الجزء ١ · صفحة ١٥٢

(فاطر: 24)

ولقد دأب الحديث النبوي الشريف على استعمال مصطلح "الأمَّة"، وفي الغالب يضيفه إلى محمَّد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قوله: «لا يزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك» (1).

وفي حديث رواه مسلم، نقرأ: « … يا أمة محمد، إنْ من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمتُه. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا، ألا هل بلغت؟» (2).

وحتى الثلاثينيات من هذا القرن كان المصطلح الغالب هو: الأمة. ومن ذلك نقرأ عنوان جريدة الشيخ أبي اليقظان: الأمَّة، ومما نطالع فيها على الخصوص: بيان الأمة الميزابية … وهو ما نعبِّر عنه باللسان الميزابي بلفظ: "الاُمَّةْ".

ولعلَّ العهد الاشتراكي هو الذي رسَّخ مصطلح المجتمع في القاموس الوطني والمحلِّي، وإن كنت لا أدَّعي أنه هو الذي أنتجه.

من ثم أرى أنَّ تغيير المصطلحات مدخل لتغيير الواقع: فمصطلح الأمة أدق وأكثر أصالة، ونسبته إلى محمد صلى الله عليه وسلم: أمَّة محمد، أو أمَّة القرآن … أفيد وأدعى للتأصيل. واعجَب لناس يرفضونه، وينهون الناس عن استعماله، لاعتبارات لا أساس لها من العلم، بل لاعتبارات سياسية ضيقة، لا تغني من الحق شيئا.

الصدق:

أمر الله تعالى عباده المتقين بالحرص على معيَّة الصادق، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة:119)، ثم بشَّر الطائعين بجوار الأنبياء والصادقين يوم القيامة، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ (النساء:69)

ولئن كانت المعيةُ الأولى معيةَ تكليف، وهي بالتالي دنيوية، فإنَّ المعية الثانية معية جزاء، وهي بالضرورة معية أُخروية، ندعو الله تعالى أن يجعلنا من أهلها.

ولأمر ما سمَّى الله تعالى كتابه الكريم بهذا المصطلح "الصدق" فقال في سورة الزمر: ﴿فَمَن اَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ (الزمر: 32)، أماَّ نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فوصفه بـ "الذي جاء بالصدق وصدَّق به، ففي "تفسير القرطبي" «وكذَّب بالصدق، يعني القرآن»، «واختُلف في الذي جاء بالصدق وصدَّق به، فقال علي رضي الله عنه: الذي جاء بالصدق النبي» (3).

والصدق له معانٍ كثيرة: منها القولية، ومنها العملية.

ولم أجد في القاموس مصطلحا أبلغ في التعبير عن مطابقة القول والفعل للحق، من مصطلح

١٥٢ / ٢٦٨