الصدق في العمل الاجتماعي أو دستور خير أمة
الجزء ١ · صفحة ١٥٣الصدق، فالصادق بلسانه هو الذي لا يكذب، ولا يقول كلمة تخالف واقع الأمر، أمَّا الصادق بفعله وعمله فهو الذي يتحرى الصواب والحق في كلِّ حركة وسكون، وينظر في ذلك إلى الخالق لا إلى الخلق، ولا يكتفي بالقلة والضعف، ولكنه يطلب الكثرة والقوة والكمال الإنساني.
ولذا سمي سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم بـ: «الصادق الأمين».
وفي حديث واضح المعنى، أمرنا نبينا بالصدق، وبتحري الصدق، وأخبرنا عن النتيجة الفورية لهذا الخلُق الكريم، فقال: «عليكم بالصدق فإنَّ الصدق يهدي إلى البر، وإنَّ البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذَّابا» (4).
فالصدق إذن يهدي إلى البر، وهو كذلك يهدي إلى الطمأنينة، قال صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة» (5).
والصدق في العمل الاجتماعي هو الصفة الخلقية التي تجمع خصال الخير كلَّها، وهو مطلب الأمة في هذا العصر، ولا ريب أننا نعني به الصدقَ في القول والصدقَ في العمل، ولا نقصره على جانب دون آخر.
ولكن، ليس من الممكن ضبط خصائصه، وتفصيل أجزائه، دون تصنيفه إلى عناوين فرعية، تصب في الغاية العامة لهذا المقال، منها على سبيل المثال:
العلمية في العمل الاجتماعي، الغاية، الأهداف، الأولويات، التخصص، التفرغ، العمل الجماعي، التقييس، التقييم، النقد، المحاسبة، الوضوح، التداول على السطلة …
أما ما ينقض الصدق في العمل الاجتماعي فكثير، ومنه على سبيل التمثيل لا الحصر:
العصبية، المصالح الذاتية، الانتقام، التعميم في الأحكام.
ثم يأتي النداء للصدق في النقد، تحت عنوان: من يستطيع أن يقول: لا؟
من هنا نبدأ، وعلى الله التوفيق:
العلميَّة:
ليسهل علينا فهم المغزى من العلمية، نتخذ علم الهندسة المعمارية أو الميكانيكية أنموذجا: فهل في الإمكان - مثلا - أن تنشئ دارا أو قصرا، أو نصنع سيارة أو طائرة، أو أقلَّ من ذلك أو أكثر بدون البحث العلمي، بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معانٍ ندركها أو لا ندركها.
فالبحث العلمي ضمان صريح للنجاح، شريطة أن نؤمن ونعتقد بأنَّ العلم أفضلُ من الجهل، ولا نتَّخذ هذه العبارات شعارات، وكلمات رنَّانة مدغدغة، تطربنا جلوسا، وتقلقنا في ميادين العمل. وفي تقديري إنَّ قيمة العلم في العمل الاجتماعي باتت باهتة ذليلة، لا اعتبار لها في أغلب الأحيان … وما لم نصحِّح هذا المفهوم في ذواتنا أولا، ثم في أمَّتنا بجميع مستوياتها ثانيا، فإنَّ الكذب على