أهمية فهم القرآن وتدبره في حياة الإنسان المسلم
الجزء ١ · صفحة ١٨إن مثل هذه الأسئلة تفرض نفسها في الواقع، لأنها هي التي تدفعنا لبحث القضية من أساسها، على أمل تصحيح علاقتنا بالقرآن، والتزام آداب وقواعد التلاوة الصحيحة التي تجعلنا نتدبر معاني القرآن الكريم، ونحياها بسلوكنا، ونجني ثمارها وفوائدها في الواقع.
ولبلوغ هذا الهدف لابد من تقسيم البحث إلى عنصرين اثنين هما:
العنصر الأول: تعريف القرآن للقرآن وتبيين علاقته بحياة الإنسان.
وفيه يتم التطرق إلى تعريف القرآن الكريم انطلاقا من وصف المولى عزَّ وجلَّ له في محكم تنزيله، مع التركيز على بيان علاقته بحياة الإنسان.
العنصر الثاني: ضرورة تفعيل القرآن في حياتنا بفهمه وتدبره.
وفيه نحاول الإجابة عن سؤال يتعلق بمدى أهمية التركيز على تدبر القرآن، مع وجود العناية بحفظه وتلاوته، إضافة إلى بيان خطورة استدبار القرآن وهجرانه، وأثر ذلك على حياة الإنسان ومصيره.
وفي الأخير لعلنا نذيل هذه السطور بجملة من الآداب والقواعد التي تكفل التلاوة الصحيحة للقرآن بفهم وتدبر، و التي يمكن استنباطها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
أما وأننا قد انتهينا في المقدمة إلى ملاحظة عدم وجود ثمار حقيقية لما هي عليه صلتنا بالقرآن الكريم في الواقع، فإنه لابد من البحث عن الحقيقة لتدارك الأمر، وتصحيح المسار والعودة إلى النهج الرباني الذي سطره لعباده. ولعل أول خطوة إلى ذلك، هي معرفة حقيقة معنى القرآن كما بينها القرآن ذاته وعلى لسان رب العزة، كي نستشعر عظمته ونعمل بمقتضى معناه ومفهومه.
العنصر الأول: تعريف القرآن للقرآن وتبيين علاقته بحياة الإنسان.
إذا أردنا معرفة حقيقة القرآن الكريم، معنى وغاية، فليس هنالك أدق وأشمل وأوضح مما جاء في القرآن ذاته؛ فكيف وصف الله عز وجل إذن، القرآن الكريم في محكم تنزيله؟ وأي علاقة يريد أن تكون للإنسان بهذا القرآن؟
يقول (معرفا عباده بحقيقة القرآن الذي نزّله إليهم، إنه أنزله هدى للمتقين: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة 02)، أي أن فيه من النُّظُم والأحكام ما يضمن لهم الهداية والتوفيق في الدنيا والآخرة، بشرط أن يتمسكوا به ويطبقوه في حياتهم اليومية، دون الاكتفاء بتلاوته أو حفظه على جلال قدر التلاوة والحفظ (4)، والهداية هنا بمعنى السير في طريق بينة وواضحة لا خوف فيها ولا مخاطر، ويفهم من هذا إذن أن من يكتفي بتلاوته ولا يطبق أحكامه التي تلوح بها آياته، رغم معاودته تلاوتها مرارا وتكرارا، فإنه لم يكن القرآن بالنسبة إليه مصدر هداية أو رشد، كما يشير سبحانه وتعالى إلى أنه برهان ونور، أي أن الذي يتلوه لابد وأن يكون له نورا يمشي به في ظلمات الدنيا والآخرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ (النساء 174)، وأما من لا يجد ذلك، فمعناه أنه لم يفهمه ولم يتدبره، ولن تحصل له هذه المعاني، إلا