مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

تراثنا والمستشرقون

الجزء ١ · صفحة ١٨٨

الإسلام، تلهج بأفضل كلمة على الإطلاق وهي: «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، فسقط الفاصل الحدودي، والنعرة القبلية، والتفاضل العرقي، فإذا بالمسلمين تتَّحد ألسنتهم وتتوحَّد قلوبهم، وإذا بالأمازيغي يسعى إلى تعلُّم اللغة العربية لفهم دينه في جد واجتهاد، وإذا بالعربي الآتي من الجزيرة العربية يجد أرضا طيِّبة في شمال إفريقيا بعد أن ذاق الصحابةُ الفاتحون الأوائل الشهادة على أرضها، وامتزجت تربتها الطاهرة بدمائهم المباركة الزكية فأنبتت أجيالا لا تعرف غير الإسلام دينا، واللغة العربية لسانًا، والجزائر الموحدة وطنا وملاذًا.

وكأن بولاية قلب الجزائر - ولاية غرداية - أرادت أن تُذكّر العالم كله هذا اليوم، بأيام عزّها وكرامتها، وأرادت أن تُفهم جميع الناس، أنَّ لا عزة ولا كرامة إلا بالتذكير بالماضي المجيد، ضاربة عرض الحائط كل الخلافات الهامشية مثبتة دعائم الود والتآخي تحت جناح رحمة الإسلام وحده.

ثراثنا:

تراثنا في الحقيقة والواقع يتمثَّل فيما ورثناه من آبائنا وأجدادنا، من عقيدة صحيحة لا تزيغ، وعمل بالأوامر والنواهي الربَّانية، محافظين على ديننا من لدن البعثة النبويَّة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

غير أن المرسِّخ لعقيدتنا يتمثل في كلمةٍ نقولها، أو أسطر نخلد به آثارنا.

فإذا كان العرس اليوم عرس الوادي السعيد - وادي ميزاب - فلا مندوحة من أن نتكلم عن الروَّاد الأوائل فيه، إذ إنَّ القاصي والداني يبحث عن معرفة آثارهم. ولا يعقل أن يغفل أهالي المنطقة ليعرِّف بهم غيرُهم، فميزاب ذو شِعابٍ، وأهلُ مكَّة أدرى بشعابها.

الكمُّ الهائل للتراث الإباضي المغاربي:

قبل أن ننوِّه بهذا التراث، يليق بنا أن نفهم سبب تعلُّق الإباضية بالتأليف والتدوين، وذلك على شكل وَمَضات وإشارات تُنير الطريق للباحثين الذين يريدون الاستزادة من هذا المنهل الصافي العذب.

إن إباضية المشرق والمغرب يمكن أن نصفهم برواد التأليف والتدوين في الإسلام؛ ونصف مذهبهم بالرائد للمذاهب الإسلامية جمعاء.

فهذا إمامهم جابر بن زيد الأزدي (5) العُماني الجوفي رضي الله عنه من فَرَق؛ قرب نزوى. وهو عربيُّ الأصل عريق المحتد (ولد 18 هـ/ توفي 93 هـ). أدرك عائشة رضي الله عنها وأدرك سبعين بَدريًّا شهدوا غزوة بدر مع الرسول (فحَوى ما في صدورهم. ويقول عن نفسه: "أدركتُ سبعين بدريًّا فحويتُ ما في صدورهم إلاَّ البحر"؛ يعني به ابن عباس رضي الله عنه.

فكان من رُواة الحديث والثِقات لدى كافَّة علماء الإسلام، وكان من المؤلفين الأوائل في صدر الإسلام. فقد كتب ديوانًا ضخمًا حوى فتاواه ومرويَّاته (6).

ويُعدُّ جابر بن زيد إمام المذهب الإباضي بحق ورائد أئمَّة المذاهب الإسلامية جمعاء (7).

١٨٨ / ٢٦٨