تراثنا والمستشرقون
الجزء ١ · صفحة ١٨٩ومن رواد أئمَّة الدولة الرستمية في التأليف بالمغرب العربي من الفرس: عبد الرحمان بن رستم (ت 171 هـ) فقد ألَّف كتابًا ضخمًا في تفسير القرآن الكريم.
وكان الإمام الثاني للدولة الرستمية: عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم (ت 208هـ) من المُغرمين بحبِّ المطالعة والاستزادة من العلم فقد أرسل إلى أهل البصرة ألف دينار لشراء الكتب، لكن أصحابه رأوا بثاقب فكرهم أن يشتروا بها أقلامًا وحبرًا فنسخوا له بها ديوانا عظيمًا فبعثوا به إليه، فقال: «الحمد لله إذ ليس فيه مسألة عزبت عني إلاَّ مسألتان، ولو سئلتُ عنهما لأجبت قياسًا على نظائرهما ووافقتُ الصواب» (8).
كما دارت حوله حلق العلم ووردت إليه أسئلة من جبل نفوسة بـ"ليبيا"، فأجاب عنها، وسُمِّيت: بـ"نوازل نفوسة" (9).
وحَذَا حذوَه أئمَّةُ الدولة الرستمية، إذ ألَّف الإمام أبو اليقظان كتابًا عالج فيه مسألة خلق القرآن، والإمام أفلح قبله في فنِّ الجدل، وهكذا …
أمَّا الريادة من أبناء المغرب العربي من أصل أمازيغي فقد كانت أصلا: لابن سلاَّم اللواتي (ت 273هـ/ 887م) إذ ألَّف كتاب: "بدء الإسلام وشرائع الدين". وأظهره حديثا كلٌّ من المحققين: الشيخ سالم بن يعقوب الجربي - رحمه الله - والدكتور فرنر شفارتز الألماني، ووصفاه في المقدمة بأنَّه أقدم مؤلِّف تاريخي للمغرب الإسلامي بأسره، كما وصف: "تاديوش ليفتسكي" المؤلف ابن سلام بأنه أقدم مؤرِّخي الإباضية. ووصفه حسن حسني عبد الوهاب: بأنه أقدم المؤرخين الإفريقيين (10).
والذي يدلُّ على حبِّ البربر لتلقِّي العلم، ما كان يفعله: عمر بن يمكتن (11)، حينما كان يعترض السابلة من العرب ليحفظ القرآن الكريم، و كان يتعلَّم منهم الآية والآيتين، وكان ذلك بطريق "مغمداس"، ولما حفظه أسَّس أوَّل مدرسة لتحفيظ القرآن بمنزل "إيفاطمان".
وهكذا ينطلق التدوين والكتابة إلى أن يكثر الطلبة وحلق العلم، فيؤلف: الأشياخ والعزابة الكتب الضخمة والموسوعات الفقهية التي لا تزال إلى حدِّ الآن موزَّعة بين الخزائن الخاصة والعامة ومشتَّتة بين الأقطار العربية والأوربية.
وإذا أردنا أن نقرِّب صورة الكمِّ الهائل للمؤلفات قديمًا على سبيل المثال نلاحظ قول: أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر، الذي كان يعيش بين آجلو (12) ووارجلان وبادية بني مصعب (13)، أشكل عليه الأمر في مسألة فقهية ووقع الخلاف بينه وبين أستاذه الشيخ سعدون، فذهب من أجل ذلك إلى مكتبة (ولَّّم) بجبل نفوسة، فوجد فيها أكثر من ثلاثة وثلاثين ألف جزء وصلت من المشرق تخيَّر أكثرها فائدة فقرأها في أربعة أشهر؛ كان لا ينام الليل والنهار إلاَّ ما بين أذان الصبح وطلوع الفجر (14).