مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الافتتاحية لمحمد ناصر بوحجام

الجزء ١ · صفحة ٣

كم كان يردِّد الشاعر الجزائري مالك حدَّاد، الذي كان يكتب باللغة الفرنسيّة عبارته المشهورة: «إنَّ اللغة الفرنسيَّة هي منفاي»، مؤمنًا بأنَّ الأصالة والوطنيَّة والقوميَّة تكون في اللغة الأمِّ؛ في اللغة التي تنسجم مع الفكر الذي تحتضنُه، مُثبتًا حقيقة العلاقة الجدليَّة التي نطق بها الفيلسوف الفرنسي"دي لا كروا": «إنَّ اللغة تصنع الفكر في الوقت الذي تصنع فيه من طرف اللغة».

هنا يحضرني ما كتبه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في الأربعينيَّات من القرن الماضي، وهو يعرِّض بالمستعمر الفرنسي، الذي يسخر بمروءة الجزائريِّين، ويعمل على تمرير مؤامراته، باستغفالهم، وإلهائهم بتقديم بعض ما يدَّعيه حقوقًا لهم، لكنَّه يعطيها لهم دسمًا في سمٍّ، وطُعمًا يصطاد به السمكة، وشراكًا يُوقِع به الطائر في الأسر؛ فركَّز في ذلك على الجانب الفكري في هذه المغالطة والمخادعة والمخاتلة. قال مبيِّنا استغلال الحكومة الفرنسيَّة جهل المرأة الجزائريَّة، فزجَّ بها في متاهات الانتخابات، التي لا تفقه فيها شيئا، متظاهرًا أنَّه يرعى حقوق الوطنيِّين والوطنيَّات: « … المرأة الجزائريَّة تَنْتَحِب، والحكومة الفرنسيَّة تريد لها أن تنتخب، والفرق بسيط ما دام الفارق نقطة … وقاتل الله هذه (الخاء)، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء … وصدق المثل (عسى الغوير أبؤسا)، وإذا كانت نظرة الإسلام في القضيَّة هي هذه، فهي من الدين الذي يجب فصل الحكومة عنه» (4).

عبَّر الكاتب عن التبعيَّة للفكر الأجنبي، ورَمَز لها بحرف (الخاء)، الذي يميِّز اللُّغة الفرنسيَّة، ويُكنَّى به عن التَّابعين للفكر الفرنسي. وفي الوقت نفسه كشف عن العسر وضنك العيش اللَّذين يلاقيهما من يبقى في كنف أصحاب (الخاء)، وأفصح عن الشَّقاء والتعاسة، اللَّذين يلازمان من يمنِّي نفسه بالعيش في هذا الجوِّ، ومن تظلُّه هذه المظلَّة «وقاتل الله هذه الخاء، فما أعسرها في المخرج، وما أسعد من لا ينطق بالخاء». بهذه الجملة الرامزة الساخرة يقرِّر الكاتب التبعيَّة الفكريَّة لمن يُجْبَرُ على النُّطق بالخاء.

ثمَّ بيَّن الشيخ البشير الإبراهيمي أنَّ الشرَّ يأتي من هذا الحرف (الخاء) ورمز إلى ذلك بالمثل العربي (عسى الغوير أبؤسا)، أي عسى الغوير يصير أبؤسا. وهو مثل يضرب للرجل، فيقال: لعلَّ الشرَّ جاء من قبلك (5).

هذا النصُّ، وهذا التعريض يؤكِّدان دور الحرف والكلمة واللغة في بلورة الفكر، ويبرزان أثرها في صبغة الثقافة باللَّون الذي ينسجم مع التوجُّه الذي تحمله، والتوجيه الذي تتبنَّاه.

فأين نحن من هذه الحقائق؟ وأين مكاننا بين من يجتهد في حمل فكره الحقيقي؟ ويعمل على حماية تراثه الأصيل؟ ماذا صنعنا لكي ننمِّي ثقافتنا، عاملين بشعار الأصالة والمعاصرة، مشمِّرين عن ساعد الجِدِّ في الاحتفاظ بالقواعد الصحيحة في المنطلق، وعصرنة الوسائل في التحرُّك والتدرُّج. ماذا نقول لشاعر الثورة مفدي زكريَّاء وهو يرسل هذا النداء، ويردُّ الادِّعاء، ويُقدِّم الرجاء، ويطلب لنا من

٣ / ٢٦٨