جولة مع الكتب التراثية المطبوعة في فقه العمران
الجزء ١ · صفحة ٢٠٣مجالات الفقه الإسلامي. جاءت أحكامها مبثوثة في كتب الفقه العامة. وأحيانا خصصت لها أبواب وفصول في تلك الكتب، بحيث تكوّن تلك الأبواب كتابا كبيرا لو طبع منفردا. وشغلت تلك المسائل أقساما كبيرة من كتب النوازل (2) والفتاوى، وكثيرا من أقسام كتب علم الشروط والوثائق (3)، وكتب الأقضية والأحكام (4)، كما شغلت حيزا كبيرا من كتب الحسبة العملية (5). ونجد ثروة من المعلومات في الوثائق الباقية من العصور الماضية (6).
ولم يكتف علماء السلف بجعلها ضمن تلك الكتب. وإنما أفردوا لها الكتب والرسائل المستقلة. فإذا علمنا أن الكثير من كتب التخصصات التي ذكرناها لم يطبع، بل ولم يكتشف بعد، يتضح لنا أن هذه الكتب لم تتم دراستها. وبالتالي فالمجال واسع لإضافة الكثير على ما نشر من أبحاث معاصرة. علما بأن أكثر الأبحاث المعاصرة أبحاث قيمة بحد ذاتها.
المؤلفات المبكرة:
عرف المسلمون منذ فجر دعوة الإسلام التخطيط والتنظيم في البناء والتعمير، حيث وردت الأحاديث النبوية الشريفة العديدة حول اتساع الطرقات وأحكام تخطيط الأحياء. وأتى بعدها أحكام الخلفاء الراشدين العملية في هذا المجال. فكان أن بنيت الأمصار الأولى مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان على أسس التخطيط. فتم الاعتناء بتنظيم المباني والشوارع والميادين العامة.
ومن ثم أعطى الفقهاء أحكام البناء عناية في مؤلفاتهم الفقهية. فبيّنوا منها أسس تنظيم العمارة، ووضحوا حقوق الارتفاق. وهي في الشرع حق مقرر على عقار لمنفعة عقار لشخص آخر. وهذه الحقوق هي: حق الشرب وحق المرور وحق المجرى وحق المسيل وحق التعلّي. وبالتالي لا نستغرب أن وضع بعض الفقهاء رسائل مستقلة في هذا المجال. فأقدم ما وصل إلينا خبره ثلاثة مؤلفات مفقودة في الوقت الحاضر، لعلماء من الجيلين الأولين للمالكية. وهم عبد الله بن عبد الحكم (ت 191هـ/816م) من مصر، وعيسى بن دينار (ت 212هـ/827م) وعبد الملك بن حبيب (ت 238هـ/853م)، وهما من الأندلس.
ورد ضمن مؤلّفات ابن عبد الحكم كتاب "القضاء في البنيان" عند من ترجموا له. ونقل عنه ابن أبي زيد في كتابه "النوادر والزيادات" قائلا: "من كتاب القضاء في البنيان، قال عبد الله بن عبد الحكم".
أما عيسى بن دينار فيحمل كتابه عنوان "الجدار". وينقل عنه التطيلي وابن الرامي الآتي ذكرهما في هذه المقالة.
وأما ابن حبيب فمن مؤلفاته كتاب "البنيان والأشجار والمياه والأنهار". ذكره ابن سهل (ت 486هـ/1093م) في نوازله (7) مرتين صراحة، ونقل عنه بعض المسائل. وهذا الكتاب لم يذكره قبل الآن الباحثون الذين كتبوا في هذا المجال.
كتاب التطيلي: