مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

جولة مع الكتب التراثية المطبوعة في فقه العمران

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

والكتاب مليء بالمصطلحات المعمارية، الأمر الذي يجعله ثروة فقهية ولغوية ومعمارية وأثرية.

طبع الكتاب طبعة حجرية بالمغرب بتاريخ رمضان 1332هـ (1914م). ثم طبع بالرباط (17) طبعة خالية من متطلبات التحقيق مثل مقارنة النسخ وشرح الكلمات والفهارس الأبجدية. ولكنها طبعة تمتاز بمقدمة مفيدة فيها دراسة جيدة عن ابن الرامي المؤلف.

ثم حقق بالرياض لرسالة ماجستير سنة 1404هـ/1983م. وطبع هذا التحقيق بالرياض 1416هـ/1995م (18). وتمتاز هذه الطبعة بالتحقيق الجيد للنص، وبمقدمة طويلة اشتملت على دراسة مفصلة عن الكتاب والمؤلف، وعن المؤلفات التراثية والحديثة في هذا المجال، استغرقت أكثر من مائة صفحة. ولكن هناك ملاحظتين على هذا التحقيق: الأولى أن الكتاب طبع بعد اثني عشر (12) عاما من مناقشة الرسالة. وفي هذه الفترة طبع العديد من الكتب التي يشير إليها المحقق على أنها مخطوطة. فالمحقق على ما يبدو لم يراجع رسالة الماجستير من أجل تحديث المعلومات بها. والملاحظة الثانية خلو فهرس الأعلام وفهرس الكتب من ذكر الصفحات التي ورد فيها اسم الشخص أو عنوان الكتاب، ما عدا ذكر صفحة واحدة أمام اسم الشخص أو عنوان الكتاب. فمثلا عبد الملك بن حبيب ورد ذكره خلال الكتاب في حوالي مائة وعشر (110) صفحات. ولكننا لا نجد أمام اسمه إلا رقم صفحة واحدة!

كتاب أبي حامد المقدسي:

بنيت المدن الإسلامية في الأصل مخططة واسعة مريحة. قال أبو يعلى في كتابه "الأحكام السلطانية": "مصّرت الصحابة البصرة على عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وجعلوها خِططا لقبائل أهلها. فجعلوا عرض الشارع الأعظم ستين ذراعا، وعرض ما سواه من الشوارع عشرين ذراعا، وعرض الأزقة سبعة أذرع. وجعلوا وسط كل خِطة رحبة فسيحة لربط خيولهم وقبور موتاهم". فإذا كانت مدينة عسكرية متقشفة يكون عرض شارعها الأعظم ستين ذراعا (30 متراً) فبالتالي يكون اتساع ميادين المدن التي بنيت لتكون عواصم ملكية كالقاهرة وبغداد أكبر. وهذا ما بينته الدراسات التاريخية والأثرية.

ولكن مع ازدحام الناس ومرور فترات ضعف واضطراب في السلطة، يغفل بسببها المسؤولون عن التعديات على الشوارع والميادين العامة، يزحف العمران العشوائي وتوسعة المباني على حساب تضييق الشارع، فيتشوه الهيكل الأصلي للمدينة. ثم يأتي حاكم حازم فيأمر بهدم هذه البيوت العشوائية وإعادة الساحات والشوارع إلى ما كنت عليه من السعة والتنظيم. حدث هذا عدة مرات في التاريخ العربي الإسلامي.

فمنذ عهد عمر بن الخطاب نقرأ أن الخليفة الراشد رضي الله عنه مرّ على باب رجل بالسوق، وقد وضع الرجل على بابه جرة. فأمر بها أن تقلع. فخرج إليه الرجل وقال: "إنما هذه جرة يسقى فيها

٢٠٩ / ٢٦٨