مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

جولة مع الكتب التراثية المطبوعة في فقه العمران

الجزء ١ · صفحة ٢١٠

الغلام الناس". فنهاه عمر أن يحجر عليها أو يحوزها. فلم يلبث أن مرّ عليها وقد ظلل عليها، فأمر عمر بالجرة والظل فنزعهما. وقد بيّنت كتب الحسبة بعض القوانين الواجب اتباعها حول تضييق الشوارع. حيث يمنع تضييق أي شارع في أي مدينة خلافا لتصميمها الأصلي. فإذا كانت تلك المدينة من عهد الرومان مثلا فيجب ترك الشوارع كما وجدت منذ أيام الرومان (19). ولا يخفى أن الرومان كانت شوارعهم وساحاتهم فسيحة.

وفي عام 690هـ/1291م أمر حاكم دمشق من قبل المماليك (واسمه علم الدين سنجر الشجاعي) بهدم ما على جسر الزلابية بدمشق من الحوانيت، وهدم جميع ما بني على نهر بانياس ونهر المجدول، من تحت القلعة إلى باب الميدان الأخضر، باستثناء المساجد. فهدمت مبانٍ كثيرة، بعضها يخص الأفراد، والبعض الآخر يخص الدولة. وتبع ذلك توسيع الميدان الأخضر وتسويره إلى النهر (20).

وفي القاهرة الفاطمية حصل نفس الشيء. حيث قام أصحاب المباني بتوسعتها على حساب تضييق الشوارع. فبنيت الربوع (21) والرواشن (22) والسقائف (23) والسوابط (24) والمصاطب (25) والحوانيت وغيرها بشكل غير شرعي، إلى أن أظلمت الشوارع الواسعة وضاقت. وظلت التعديات تتزايد عبر القرون باطراد، إلى أن وصل الأمر بالشارع الأعظم (شارع المعز حاليا) أن صار مزدحما بشكل مزعج، بعد أن كان فسيحا يسر المرء أن يتمشى فيه. وفي عام 882هـ/1477م أمر الأمير يشبك الداودار بإزالة كل ما بني زيادة على المباني الأصلية. وأمر بتزيين المساجد وواجهاتها وأبوابها، وجلي رخامها، وتبييض حيطانها، وحيطان المباني الأخرى المطلة على الشوارع الرئيسية. وبنى عدة مباني خيرية في أماكن أخرى لنفع عامة المحتاجين. وانقسم الناس بين مؤيد ومعارض لهذا المشروع. ومن بين المؤيدين من كتب قصيدة يبين فيها أن المدينة أضاءت بعد الظلمة. ومن بين ما قاله (26):

كَانَت كَصُبحٍ تَعَالَتْ فَوقَهُ ظُلَمٌ.:.:.شَتَّى فَفَاجَأَهَا بالنُّورِ إِسْفَارُ

كَانَت كَشَمسٍ تَغَاشَاهَا الغَمَامُ.:.:.ضُحًى، فَمَزَّقَتهُ مِنَ الأَريَاح اعصَارُ

ومن المؤيدين للمشروع كان أبو حامد المقدسي الشافعي الذي ألّف رسالة بعنوان "الفوائد النفيسة الباهرة، في بيان حكم شوارع القاهرة، في مذاهب الأئمة الزاهرة". وهي طبعت بتحقيقين مستقلين: ضمن دورية بالرياض (27)، وفي كتاب بالقاهرة (28). فهو يقدم في رسالته نبذة عن أوضاع شوارع القاهرة عند إنشائها، ثم أثر التعديات عليها وتضييقها. ثم يجمع آراء علماء المذاهب الأربعة وأقوالهم التي تتفق على استحسان ما قام به الأمير يشبك من التوسيع على الناس. والكتاب إسهام جيد في بيان أصول العمارة في الإسلام من حيث السعة والعرض وأماكن إقامة المرافق العامة كالمساجد والأسواق والميادين.

٢١٠ / ٢٦٨