المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢١٨أمَّا إذا تأملنا الأدب العربي فإنَّنا نجد أنَّ المناظرات من أهم الفنون النثرية، إذ ازدهرت في القرن الثاني للهجرة بسبب المتكلمين وبخاصة المعتزلة الذين اتَّخذوا الجدل والمناظرة وسيلة للدفاع عن آرائهم ومنهجًا لنشر مبادئهم (11).
والمناظرة لها تاريخ أبعد ممَّا يمكن ان نصل إليه، ولعلَّ أقربها إلينا محاورات الفلاسفة اليونانين، ولكننا نكتفي بهذا القدر إذ أنَّ المناظرة قديمة قدم الإنسان نفسه، ولذلك اشتهرت في القرون الوسطى في الأدب الغربي (12). كما أنَّ هذا النوع يمكن أن يشبه كذلك بعض رسائل الجاحظ الجدلية (13)، ولهذا أطلقنا عليها «الحواريات الثنائية»، أو المناظرات، لأنَّها نوع من الجدل الذي يدل عند جمهور الفلاسفة على مخاطبة بين اثنين يقصد كلٌّ منهما غلبة صاحبه بأيِّ نوع اتَّفق من الأقاويل (14). ويلتجئ الكتَّاب إلى الجدل لأنَّه في رأيهم أكثر إقناعًا من الشعر والخطابة، وأفضل ما تثبت به الأمور النظرية. ومهما يكن فإنَّ الحوار هذا نجد له شبيهًا في الأدب العربي قديمه وحديثه، ومن ذلك مقالة لميخائيل نعيمة على لسان رئيسي الملائكة والشياطين (15).
وأمَّا في الأدب العربي القديم فإنَّنا نجد كثيرًا من هذا النوع لدى أدباء عصر المماليك في كتاب محمود رزق سليم «عصر سلاطين المماليك» (16)، والذي أطلق عليه الموازنات والمفاخرات، ويُعرِّفها بهذا التعريف: «الموازنة أو المفاخرة نعني بها مقالة مسطورة على نمط ما رأينا في المقالات والرسائل، غير أنَّها تفترق عن المقالة بأنَّ موضوع الوصف فيها اثنان أو أكثر، يتبادل الحديث عنهما أو منهما، ويتناوب بالتتابع، وكثيرًا ما يكون الحديث فيها حوارًا ومناظرة على لسان الأداتين أو الشيئين اللذين هما موضوع الحديث والوصف، فيتكلَّم كلٌّ منهما على نفسه مبينًا إحدى محاسنه وخصوصياته ويشيد بها ويصفها وصفًا جميلاً مؤثرا، وهدفه الفخر والبروز والتغلب على خصمه … وقد يقلب إحدى محاسن خصمه عيبًا، ومن هنا تثور الحماسة ويندلع لهيب المفاخرة بين المتخاصمين، ويردُّ الآخر بدوره، فيشيد بخصوصية أخرى من خصوصياته، ويبالغ في وصفها إبرازًا لمحاسنها، ويجمل في تصويرها، وينعي على زميله عيبًا آخر من عيوبه، وهلمَّ جرًّا، حتى تنتهي المفاخرة والحوار بمصالحة بين الطرفين، أو يتغلب طرفٌ على آخر» (17).
غير أنَّ الكاتب لا يلبث أن يناقض نفسه في الجزء السادس إذ يقول: «رأينا في الأبواب السابقة ألوانًا من المناظرات وهي المحاورات المعقودة بين اثنين أو أكثر من الأدوات أو الأشخاص أو الأشياء الأخرى، وذلك كالموازنة بين السيف والقلم، والمحاورة بين الأزهار … » (18)، ويرى عبد القادر دامخي أنَّ هذا الفن اشتهر به الأندلسيون حتَّى نُسب إليهم (19). إلاَّ أنَّ الحقيقة تقول: «إنَّ الأمم عرفت هذا النوع من قبل وسمَّته محادثة أو محاورة أو مناظرة أو مناقرة، وقد يكون الأندلسيون قد تأثروا بمحاورات الغربيين في القرون الوسطى» (20). ومهما يكن فإنَّ الحواريات يمكن اعتبارها مناظرات لأنَّها تأخذ طابع الجدل والمنطق، وحشد الأدلة والبراهين، والتحليل