مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان

الجزء ١ · صفحة ٢١٩

والتعليل، رغم التجاء الكاتب فيها إلى إبراز مشاعره عن طريق المتحاورين، وإلى الخيال وحسن التصوير والتخييل، والميل إلى الأحاسيس والهواجس.

ومن أهم الحواريات في نثر أبي اليقظان:

بين الماضي والحاضر (21)، بين العلم والمال (22)، بين القهوة والمسجد (23)، بين الشدة والرخاء (24)، بين الحانوت والمدرسة (25)، بين القوة والحق (26)، بين الجريدة والجواق (27)، بين شيخ وشاب (28).

وهي حواريات أو مجموعات تمثل الحداثة أو التقليد، أي أنها عبارة عن طرح سنني بين القديم والحديث، بين الروحيين والماديين الذين لا يعتبرون القيم الروحية ولا يعترفون بها، وهذه المجموعة تحتوي على محاورات: الحانوت والمدرسة، والمسجد والقهوة، لأنَّ هذه المؤسسات الاجتماعية تتصارع من أجل التحكم في سير المجتمع، فالحانوت يمثل التجارة والجاه والمال .. بينما تمثل المدرسة ـــ في عرف الناس ـــ لا شيء، لأنَّها ترمز إلى الكتابة والقراءة، وربما إلى قراءة القرآن على الأموات والتمائم التي يأتي بها «الطالب» أو حفظ المتون والجدل، ممَّا يؤدي إلى الفاقة. أما المسجد فيمثل الربانية والتقوى والعبادة والأخلاق ـــ أي المثالية الدينية ـــ بينما لا تمثل القهوة سوى الإفلاس وسوء الأخلاق وضياع الوقت، هذا من حيث الوجهة الأولى، أمَّا وجهته المتحررة فتعكس الحقائق حسب المتحاور الأول: فتكون القهوة أفضل من المسجد لأنَّها تمثل الاجتماع والتحرُّر. أمَّا المجموعة الثالثة فهي مجموعة القيم والمثُل «العلم والمال، القوة والحق»، وهذه المجموعة هي من أهم الأمور التي يحدث صراعها في المجتمع ـــ من جميع الوجوه ـــ فالعلم والمال مسألة كبرى يحدث حولها النقاش ويشتدُّ، وبذلك يصبح العلم يمثل النور والإيمان والحق والعدل واليقين، بينما لا يمثل المال سوى الفساد والتعجرف والاستطالة، وقد يكون كل شيءٍ في نظر الناس، ويصبح العلم لا شيء، وهكذا حسب مقاييس المجتمعات ورأيها العام، وهذا ما سنراه من خلال هذه المحاورات.

1 ـــ محاورة الجريدة و"الجوَّاق" (29):

هذه المحاروة أجراها أبو اليقظان على النحو التالي:

«الجريدة: أنا متعة النفس، وغذاء الروح، وأنيس الجليس، والنحلة السارحة بين الرياض والمروج، أنقل من هنا وهنا أريج النواوير والرياحين لتغذية الأرواح بالعسل المصفى لشفاء أسقام الأشباح. (30)

الجوَّاق: دعي عنك أيتها الجريدة التافهة، هذه المفاخر الفارغة، والخيلاء الكاذب أمامي، فأنا الذي أروِّح عن النفوس همومها، وأنا الذي أدخُلُ مِنَ الآذان بغير استئذان، فأضرب على أوتار القلوب، وأهزُّ أعصاب النفوس، وأترك الجوارح ترقص من تلقاء نفسها، فلا يخفق دوي الصداح إلاَّ وأترك

٢١٩ / ٢٦٨