المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٣٥والتحليل والتعليل والإقناع.
أمَّا من حيث البناء الفني:
فإنَّ هذه المناظرات يختلف بعضها عن الآخر، ففي كلِّ مناظرة يتبع المؤلف بناء معيَّنا، بحيث تلاحظ في حوار المدرسة والحانوت ـــ مثلاً ـــ أنَّ أبا اليقظان يعطي نتيجة الحوار مسبقًا، ثم يورد الحوار من البداية، فبناء هذه الحوارية يشبه بناء بعض أنواع الروايات والمسرحيات الحديثة. وهناك مناظرات أخرى تبتدئ بالحوار الذي يفضِّله، وتنتهي بعد تدرُّجها في الحوار باعتراف أحد المتحاورين بفضل محاوره، كما في الشدَّة والرخاء، إذ يعترف الرخاء بفضل الشدًّة. أمَّا في بعض المناظرات الأخرى مثل مناظرة الخمول والظهور، فإنَّ الكاتب لا يتدخَّل مباشرة، ولكنه يتدخَّل عن طريق شخصية العقل الذي يُصدر حكمه لصالح أحد المتحاورين، وقد يتدخَّل الكاتب صراحة كما في حوارية العلم والمال، ويدلي برأيه الذي يراه صائبًا.
وأمَّا الشخصيات فلم تُستخدم في الحواريات أكثر من ثلاث شخصيات، حيث تتحاور شخصيتان، وفي الأخير تتدخَّل الشخصية الثالثة، أو قد لا تتدخل إذ تعترف إحدى الشخصيتين بأهمية الأخرى.
وعلى العموم فإنَّ أفكار هذه الحواريات أو المناظرات واضحة متسلسلة، مأخوذة من الواقع المعيش، ومستلَّة من التاريخ الجدلي عند المذاهب الفقهية والكلامية، وعند المعتزلة خصوصًا. أمَّا من حيث الأسلوب فإنَّ هذه الحواريات تمتاز بوضوح الأسلوب وبقصر العبارات عمومًا، والمسجوعة من حين إلى آخر، وفيها التجاء إلى المحسنات البديعية. وهي من حيث المعنى والمبنى تكشف لنا عن ثقافة العصر، وعن أمراض الأمَّة، وعن أهم المسائل التي يدور حولها الحوار والنقاش، أي ـــ قضايا العصر ـــ، كما تُبرز لنا ثقافة الكاتب الأديب، ومدى التزامه بقضايا وطنه، وما يهدف إليه في سبيل إصلاح هذا المجتمع، كما تمتاز بالتهويل والشطط في كثير من المواقف الجدلية، ومراعاة الترتيب المنطقي للأفكار ومقام المجادل والمُناظر، وتشخيص الموضوع الذي يتحاور حوله هذان المتناظران.
ـــ انتهى ـــ
--------------------
الهوامش
1) - سعيد علوش: معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، المغرب. 1984، ص: 35.
2) - انظر: المرجع السابق نفسه، ص: 46.
3) - شوقي عبد الحكيم: موسوعة الفلكلور والأساطير العربية، ص: 274.