المناظرات أو الحواريات الثنائية في نثر أبي اليقظان
الجزء ١ · صفحة ٢٣٤كما نلاحظ اهتمامه بالتقاط الأمثال والحكم من المجتمع؛ إذ إنه يحوِّل أسلوبه الجميل الرصين إلى أسلوب قريب من أساليب العامة، ومن ذلك قوله: «يا لطيف، "حوالينا ولا علينا" (82) لقد سردت عليَّ سلسلة من آثارك وأعمالك وحسناتك ومزاياك وبيَّنت مساويك وما قيل فيك إنَّ الظهور يقصم الظهور (83)، فهل تتجاهل ما ورد في ذكري والحث على اتخاذي شعارًا من سادتنا العلماء من قولهم: "كن كابن لبون لا ضرع يُحلَب ولا ظهر يُركب، كن حلسًا من أحلاس بيتك، عليك بخويصة نفسك، كل الحشف والبس القشف، وارقد على الخرشف .. » (84).
إنَّ هذا التراكم في الأمثال العربية والعامية يوحي بأنَّ أبا اليقظان لا يهدف من وراء ذلك إلاَّ لسرد فكرة هؤلاء المشعوذين بأسلوبهم، ممَّا حوَّل أسلوبه ــ أحيانًا ــ إلى أسلوب أشبه بأسلوب أولئك الأيمة الذين لا يعرفون إلاَّ الأساليب التقليدية التي تعتمد الحشو، وحشد الأدلَّة والبراهين. ولعل هذا يعود من جهة أخرى إلى أنَّ المناظرة تقتضي ذلك؛ لأنَّ من اهم خصائصها حشد الأدلة والبراهين لإقناع الطرف الثاني، وهذا ما نراه في الحواريات إذ تمتاز بذلك الحشد الهائل من المعلومات، وبخاصة حين تتحول إلى مناظرة بين المصلحين وأعداء الإصلاح، إذ يكثر فيها أدلة الطرفين من جميع الوجوه ويبرز حُججهم، ثمَّ يفنِّد كلَّ ذلك ويحاول إقناع الأمة بصحَّة رأيه.
ونرى أحيانًا أنَّ أسلوبه يتحول أحيانًا إلى أسلوب واعظٍ مسجدي، إذ يُكثر من إيراد الأدلة من القرآن الكريم، والسنة الشريفة، فتتراكم وكأننا نقرأ خطبة جمعة كتبها بعض أيمة عصور الانحطاط، ومن ذلك قوله: «أيها الجاهل لا تتجرأ على الشريعة الغرَّاء، فإنَّ الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (85)» (86).
ومهما يكن فإنَّ هذه المناظرات تمتاز بالمبالغة والاعتداد بالنفس والشطط في وصف محاسن المتحاور، كما «ينقلب أسلوبها إلى نمط من الأساليب الخطابية قوامه الدفاع والمجادلة والمحاججة وسَوق البراهين، ومحاولة التأثير، والوصول إلى الكسب والانتصار، وفي سبيل ذلك قد تُقلب الحقائق، ويُزوَّق الباطل، ويُبهرج الزيف، وتروق التهويلات، ويسرح الخيال الشعري بسرحاته الممتعة، ويعود بكل تصوير مبتكر، وتعبير جميل» (87). وهو ما رأيناه في بعض السرحات الخيالية في الجوَّاق والجريدة، والمدرسة والحانوت.
وعلى العموم فإنَّ هذه الحواريات الثنائية تدلُّنا على ثقافة أبي اليقظان وعلى ثقافة عصره، كما تكشف لنا عن الأسلوب النقدي الذي اتَّبعه أبو اليقظان ودافع عنه ومكَّن له.
ونستنتج أنَّ أبااليقظان قد التزم بالواقعية الأسلوبية أحيانًا، إذ كان لا ينطق المتحاور إلاَّ بلغته، وثقافة حرفته، وكلُّ ذلك بحوار هادئ في معظم الحالات، وبلغة جاهزة في معظمها، فهي مرة الجدل في العصر العباسي ـــ بخاصة ـــ ولهذا السبب اتَّسم أسلوبه بالجدل والاحتجاج،