مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٢٦

الحداثيين" أو "التجديديين" باختلاف مسمياتهم ومناهجهم، فإنَّنا نأمل الوقوف على أبرز المقولات والمبادئ التي تعرَّض من خلالها تيار التجديد للنقد والمساءلة، ونركِّز هنا على النقاط التي تهمُّ بحثنا وهي المتعلقة بقراءة وفهم النص القرآني وأسلوب التعامل معه تفسيرًا وتأويلاً.

أولاً: القرآن نص لغوي فنِّي:

لقد نظر مفكرو الحداثة ـــ المتأثرون بالثورة اللغوية التي شهدها القرن الماضي ـــ إلى النص القرآني بوصفه نصًّا لغويًّا أولاً وأخيرًا، مستبعِدين بذلك عنه كلَّ المفاهيم الغيبية والتاريخية، ولقد كان للدكتور "طه حسين" ولأستاذه من قبل "أمين الخولي" نظرة خاصَّة لآلية فهم وتدبر النصِّ القرآني؛ إذ يرى كلٌّ منهما أنَّ النص القرآني لا يمكن إدراكه إلاَّ في إطاره الفنِّي "الأدبي"، فمن حقِّ الناس جميعًا أن يقرؤوا كتبهم الدينية ويتذوَّقوا جمالها الفني والأدبي، ويعبِّروا عن نتائج هذا التذوُّق، وأن «يُعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيث هي موضوع للبحث العلمي بقطع النظر عن مكانتها الدينية» (3).

وقد نحا الدكتور "طه حسين" منحى أستاذه، فأنكر أن يكون للنص القرآني دلالة تاريخية "غيبية" تتعدَّى إطار التصوير الفني الأسطوري والحكائي، وكلُّ محاولةٍ لفهم القصص القرآني باعتبارها حوادث تاريخية واقعية هي محاولة تأويلية "تلوينية" لا أساس لها من الصحَّة، لذا نجده يقول: «للتوراة أن تحدِّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدِّثنا عنهما أيضًا، ولكن وُرُود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي وفضلاً عن إثبات هذه القصَّة التي تُحدِّثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكَّة، … ونحن مضطرُّون إلى أن نرى في هذه القصَّة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والتوراة والقرآن، من جهة أخرى» (4).

ولسنا بصدد تقصِّي كلِّ آراء أمين الخولي، ولا آراء طه حسين فيما ذهب إليه في محاضراته التي ألقاها على طلابه في الجامعة المصرية بعنوان "في الشعر الجاهلي" سنة 1926م، وحول القصص في النصِّ القرآني بالخصوص، إلاَّ أنَّني أريد استخلاص نتيجة متعلِّقة بفهم النص القرآني وهي أنَّ هذا المنحى في دراسة النص القرآني يعمد في كثير من الأحيان إلى نفي الصدق التاريخي والواقعي لأحداث قصص القرآن الكريم، ويكتفي بالصدق الفني، وهو منحى "ناسوتي" "عقلاني" يركِّز على المحسوس وهو يتعامل مع النص باعتباره مادَّة لغوية، ويدرسه - كما يدرس أيَّ نصٍ آخر - دراسة تقنية تحليلية خاضعة لمنهج الشك الديكارتي وخطِّه البرهاني، و"يترفَّع" عن الماورائيات التي - حسب رأي هؤلاء - تُعيقُ فهم القارئ المفسِّر وتقيِّد حريَّة تأويله.

وهذا بالضبط ما دفع "سيد قطب" إلى وضع كُتُبه في التصوير الفني في القرآن الكريم (5) مؤكِّدًا على أولويَّة الغرض الديني "الغيبي"، رغم اهتمامه بالجانب الفني في النص، لأنَّ القرآن يزاوج بين

٢٦ / ٢٦٨