مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الجراد ... جند الله الأعظم!!!

الجزء ١ · صفحة ٢٥٣

منه حتى الغنم والأبقار. فسلوا إن شئتم الفلاح المسكين، وما يزفره من أنين، واستمعوا إلى ما تتناقله الأخبار في كل حين، تدركوا الواقع عين اليقين. على أنَّ الجراد البشري لا يأتي فقط على ما تُقلُّه الأراضي من نبات، وما تغله الأشجار من خيرات كما يفعل الجراد الحشري، بل هو ينتهك في طريقه كذلك الأعراض، ولا تسل عما يقع بين الأحداث، في الهواجر والعشيَّات، في غفلة من الآباء والأمهات، وفي سعة من الجِدَة والأوقات.

ومن رعَى غنَمًا في أرضِ مَسْبَعَةٍ

وَنَامَ عنهَا، تَوَلَّى رَعيَهَا الأسَدُ

ولعمري وكأني بهم عن الآخرة غافلون، وبعذاب ربك غيرُ موقنين، ﴿أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (31)، ألا يتقون يوم يبعثون ﴿خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ (32). فيا لهول ذلك اليوم، ويا ما أفظع عاقبة الظلم. ﴿وَسَيَعْلَمُ الذِينَ ظَلَمُواْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (33).

ألا أيها الناس فلنهبّ لمقاومة الجراد البشري قبل محاربة الجراد الحشري، فالجراد الحشري إلى أمد، والجراد البشري إلى الأبد، والجراد الحشري بلاء وابتلاء ما نحن عنه بغائبين، ولا عن فساده بمسؤولين، ولكن الجراد البشري إن لم نقم بمقاومته وتقويمه كنّا معه جميعا وقود نار الجحيم ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ﴾ (34).

أيها الإخوة الأعزاء: لنستعمل ما شئنا من مُبيداتٍ فتَّاكة تقضي على الجراد، ولنعدّ له ما استطعنا من قوة لمقاومة ما يسببه من الفساد، فإنه لا محالة في النهاية غالب، كيف لا وهو جند الله وقد سبقت كلمته بغلبة جنده ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (35)، ولكنا إن أردنا أن يرفع عنا العفو الغفور هذا البلاء، ويدفع عنا القوي العزيز هذا الوباء، فعلينا أن نعدُّ المبيدات التي تقضي على زيغ العقيدة في القلوب، والمعدات التي تفتك بوساوس النفس في الصدور، والعزيمة التي تدمر أعشاش المعصية في العقول، ومن ثم نكون قد نصرنا الله فحققنا الشرط واستحققنا الجزاء ومن شرط كل شرط جزاء ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ اَقْدَامَكُمْ﴾ (36). وإنه لا نجاء من بلاء طافح سوى خبيئة من عمل صالح. وإذا كان الجراد يتجرد من ثيابه إذا اشتد ليطير بجناحيه فيزداد ولوعا بالفساد، فهلا تجردنا نحن معاشر عباد الله من دثار الآثام، وسرابيل المعصية إذا ذُكّرنا لنطير بأجنحة من نور إلى سبيل الرشاد؟ فنأمن بذلك مكر الله ﴿فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (37). ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ (38). ﴿وَلَوْ يُوَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِنْ يُّوَخِّرُهُمُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (39) صدق الله العظيم.

٢٥٣ / ٢٦٨