الجراد ... جند الله الأعظم!!!
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢(28). أم لأننا نحسب العذاب بعيدا وقوعُه عنا نحن المنتسبين إلى أمة محمد أن كنا خير الأمم، كلا فما هي من الظالمين ببعيد.
فما بالنا لا تأخذنا البأساء والضراء،، وقد سفكنا الدماء فكان بعضنا يضرب رقاب بعض جهارا، لا نرجو من الله وقارا، واستحللنا الأموال فصار بعضنا يسطو على أموال البعض نأكلها بالباطل استمراء، وكيف لا نأذن بحرب من الله ورسوله ونحن قد ولجنا أبواب الربا بمصراعيه نتعاطاه انتهاكا لا قهرا. واستبحنا الأعراض نغشاها فجورا وفخرا، بطنا وظهرا، علنا لا سرا، واستطبنا المسكرات تغتالنا حشيشا وخمرا، عشية وبكرا، فما ترى من القوم ـ إلا من رحم ربي ـ نهيا ولا أمرا، والله تعالى قد ربط الأسباب بالمسببات والنتائج على حسب مشيئته، فما يتعرض له الناس من آفات زراعية وغيرها فبسبب أعمالهم. ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ اِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (29). أَمِن بعد هذا نقول هكذا الطبيعة شاءت، وهكذا الجراد جاءت؟
فاللهم لا تؤاخنا بما كسبت أيدينا ولا بما فعل السفهاء منَّا، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. أقول قول هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه يغفر لكم، واشكروه على نِعَمِه يَزِدْكُم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
الحمد الله ولي الصالحين، والصلاة والسلام على رائد الفالحين، وعلى من اتبع هداه من المفلحين.
أمَّا المشهد الثاني الذي وردت فيه كلمة الجراد في محكم التنزيل معاشر السادة فمشهد كلنا ناظره، ومصير كلنا وارده، وباب كلنا والجه، مشهد تصطك لسماعه الآذان، وترتعد لهوله الأبدان، ويخسأ لشدته الثقلان، فاسمعوا بقلوب خاشعة وعيون دامعة إلى العزيز المقتدر وهو يقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الاَنْبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (30).
معاشر السادة المستمعين إذا كان الحديث في الخطاب الأوَّل قد دار حول آفة الجراد الحشري، وما يخلفه من دمار في الأرض بإذن رب السماوات والأرض، وقد تبين لنا أنه جند الله الأعظم الذي يسلطه على من يشاء، وأنه يأكل من رزق الله ولا يجري عليه القلم، وأنه إنما ضرره لا يجاوز الحياة الدنيا، التي سيأتي عليها وعلى كل شيء سوى الله هلاك وإن طال أمدها، واستطابها عابدها،، فما بالكم إخوتي الأعزاء بالجراد الفتَّاك والحيوان السفَّاك، الذي يسعى في الأرض فسادًا، يُبارز ربَّه عنودا، ويعرض عن دينه صدودا، لا يلوي على ناصح ينصحه، أو عاذل يَعذِله، إنَّه الجراد البشري المتولِّد عن التسيُّب الأُسري، والتسلُّل الهجَري، جميعًا وأشتاتًا، صيفًا وشتاءً، يجوس خلال الأجنَّة والديار، يستبيح النخيل والأشجار، ويفسد الفواكه والثمار، ويخرِّب الأحواض والآبار، ولا يسلم