مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

الجراد {وما يعلم جنود ربك إلا هو}

الجزء ١ · صفحة ٢٥٩

فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يُخبرنا عن تمرُّد قوم موسى وعن عتوهم وإصرارهم على الباطل، فأرسل عليهم الآيات المفصَّلات وهي دلائل على قدرته وسلطانه، ولكن مع هذا استكبروا، فكلَّما كشف عنهم الرجز ورفع عنهم العذاب إذا هم يعودون إلى ما كانوا عليه من الغي والمعصية، ولمَّا تبيَّن تمرُّدهم وظهر إجرامهم في كلِّ مرَّة انتقم منهم العلي القدير فأغرقهم في اليم؛ ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِئَايَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (الأعراف: 135ـــ 136).

فعلى المسلم أن يعتبر من قَصص الأوائل ويعلم أنَّ عذاب الله قريب من الظالمين، وليعتبر الفلاحون الذين أقاموا حقولهم ومزارعهم بأموال الربا، وكذا الذين يستولون على حقوق غيرهم: من الماء ابتداءًا وإلى البذور والشتائل والدواب مرورًا لا انتهاءًا .. ليعتبر جميع هؤلاء وغيرهم ممَّا يلحقه الجراد من خراب ببساتينهم فينطبق عليها قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَآ أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس:24).

أمَّا الموضع الثاني الذي ورد فيه ذكر الجراد فهو في قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ خُشَّعًا اَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الاَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِي يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (القمر، 6ـــ8).

هذه الآيات جاءت في سورة القمر المكية، والتي من مطلعها إلى آخرها تجسِّد صورًا مرعبة لجزاء المكذبين بالنذر، والعاصين للرسل. فذكر الجراد في المشهد الأول بعد ذكر اقتراب الساعة وانشقاق القمر، ففي كلتا الصورتين جسد لنا القرآن الكريم إعراض الكافرين عن الآيات وإنكارهم لها، فحادثة شقِّ القمر معروفة في السيرة النبوية حين سأل المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية أو معجزة تثبت لهم نبوءته، فشقَّ الله لهم القمر فلقتين (7)، ولكنهم بعد أن أستيقنوا ما رأوا بأمِّ أعينهم أعرضوا وقالوا إن هذا إلاَّ سحر، فجاءت في شأنهم الآيات: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ وَإِنْ يَّرَوَا -ايَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَآءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ (القمر: 1 ـــ3) ثمَّ يأمر الله تعالى رسوله الكريم بالإعراض عن الكافرين وتركهم ليوم رهيب ينتظرهم وهو يوم القيامة، ويقدِّم للإنسان في السورة نموذجًا يجسِّد مشهدًا من مشاهد ذلك اليوم العظيم، يوم يقوم الناس جميعًا من قبورهم خُشَّعًا أبصارهم من الذلِّ والهول، مسرعين إلى الداعي الذي يدعوهم لشيءٍ شديد، فيُشبِّه الله سبحانه مشهد الخروج من الأجداث بصورة نراها اليوم مجسَّدة أمام أعيننا وهي خروج يرقات الجراد عند فقس البيوض من الجيوب المدفونة في الأرض، وزحفها بسرعة وبلهف في اتجاهات مختلفة، وبأعداد مهولة، كلُّها تسعى إلى شيءٍ واحد يشغلها .. إنَّه لمشهد رهيب، وتشبيه بليغ … !!

٢٥٩ / ٢٦٨