مجلة الحياة، العدد 8 (مبوبة) مجلة الحياة

فهم القرآن في ضوء خطاب الحداثة العربي (قراءة نقدية لبعض الآراء)

الجزء ١ · صفحة ٢٧

الغرض الديني والغرض الفني فيما يعرضه من صور ومشاهد، بل إنَّ الجانب الفني ما هو إلاَّ أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتسهيل إيصال المعنى الديني.

والحقيقة كما أوردنا في بداية هذا البحث أنَّ المعركة الفكرية الدائرة اليوم بين أصحاب "الحداثة" أو"ما بعد الحداثة" أو "التجديدين" - باختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم - وبين "السلفيين" و"المحافظين" وحتى "النهضويين" (6) المتفتحين، حول ماهية النص القرآني وكيفية التعامل معه، ما هي إلاَّ امتداد للمعركة الفكرية التي احتدمت أيام "طه حسين"؛ وجسَّدت الصراع بين قراءتين: قراءة تقليدية وفق آليات البعد الغيبي الغارق في الخرافة أو الأسطورة (حسب تصوُّرهم)؛ وهي قراءة القدماء بوجه عام (7)، وقراءة وفقًا لآليات البعد التاريخاني البشري؛ وهي قراءة أنصار الحداثة من "علمانيين" و"تنويريين".

وكما أنَّ الجدل كثيرًا ما تقوقع لدى علماء الدراسات القرآنية بين ثنائيات النقل والعقل، والتفسير والتأويل، والمأثور والرأي … وتطوَّر في وقت معين إلى التجهيل وحتى التكفير … فإنَّ بعض التجارب الحديثة حاولت اقتحام عالم النص القرآني باستخدام "ترسانة" من الآراء المختلفة والمترابطة فكريًا ونقديًا وأدبيًا، وهي في مجملها لا تحيد عن مبادئ مدرسة "الحداثة" في الفكر المعاصر.

ثانياً: القرآن نص تاريخي ومنتج ثقافي:

لقد حاول "نصر حامد أبو زيد" أن يقرأ النص القرآني قراءة تاريخية "ناسوتية" لا قراءة لاهوتية غيبية، معتبرًا أن "الواقع" يجب أن يكون هو المدخل الحقيقي لفهم النص، وأنَّ الإيمان بوجود بُعدٍ غيبي للنص في "اللوح المحفوظ" وإقحام أفكارٍ خارجة عن إطار المادة اللغوية سوف يعرقل عملية التلقِّي المعاصر والفهم الموضوعي للنص، وفي هذا يقول: «إنَّ النص [القرآني] في حقيقته وجوهره مُنتَج ثقافي؛ والمقصود بذلك أنَّه تشكَّل في الواقع والثقافة خلال فترة تزيد على العشرين عامًا، وإذا كانت هذه الحقيقة تبدو بديهية ومتَّفقًا عليها، فإنَّ الإيمان بوجودٍ ميتافيزيقي سابقٍ للنص يعود لكي يطمس هذه الحقيقة البديهية، ويعكِّر من ثَمَّ إمكانية الفهم العلمي لظاهرة النص» (8).

يرى الدكتور أنَّه ينبغي على الباحث والناقد والمفسر أن يتناول القرآن تناولاً نقديا لغويًّا كما يتناول أيَّ عملٍ فني آخر من غير اعتبار لأيِّ بُعدٍ ديني أو غيبي .. إنَّ البحث عن مفهوم ومعنى للنص القرآني ليس في حقيقته - كما يرى أبو زيد - إلاَّ بحثٌ في طبيعته بوصفه نصًّا لغويًّا، «وهو بحثٌ يتناول القرآن من حيث هو كتاب العربية الأكبر، وأثره الأدبي الخالد، فالقرآن كتاب الفن العربي الأقدس، سواء نظر إليه الناظر على أنَّه كذلك في الدين أم لا. وهذا الدرس الأدبي للقرآن في المستوى الفني، دون نظرٍ إلى اعتبارٍ ديني، هو ما نعتدُّه وتعتدُّ معنا الأمم العربية» (9). ويقول: إنَّ «المتاح الوحيد أمام الدرس العلمي هو درس الكلام الإلهي من خلال تحليل معطياته في إطار

٢٧ / ٢٦٨