ربا الفضل بين أهل الفقه وأهل الحديث
الجزء ١ · صفحة ٥٣أمرًا أذن الله تعالى عباده بالحرب، فلا ينبغي أن يتعرَّض له، ولا أن يهون به، قال عزَّ وجلَّ: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَآ إِن كُنتُمْ مُّومِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَاذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة، آية: 278، 279]، وإنَّما إنفاذ الشريعة أمرٌ يسَّره الله فسهَّله، فخذ فيه باليسر ما قدرت، ولا تتعد حدود الله تعالى، وأمرٌ عسَّره الله تعالى وشدَّد فيه فلا تتعرض له، فقد شدَّد في آية الربا ما لم يشدِّد في غيرها، وآذن العباد بالحرب، وقد قيل عن ابن عباس أنَّه قد رجع عنها في أيام مرضه بالطائف، وفيه مات (سنة 68هـ)، وقد أردنا أن نسدَّ عنكم أبواب الربا، فأبيتم إلاَّ فتحَها فرجع عنها قبل موته.
وإنَّما نبهناكم على هذا نصيحة على أنَّ ابن عباس بالموضع الذي هو فيه من الفقه من الدين والسنَّة والتنزيل بالموضع الذي لا يُنكر …
وقد قال أبو بكر الصدِّيق:
«ما من عالم إلاَّ وفي علمه مأخوذ ومتروك، ما خلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم»، وليس مذهبه بفرضٍ فيضيق على الناس مخالفتُه.
ولقد فطن لمذهبه محمد بن محبوب [بن الرحيل، العُماني، أبو عبد الله، ق3هـ]، فآثر السنَّة والجماعة والرأي، وهو النهاية في زمانه نَسجُ وحده، وفردُ زمانه» (35).
وقال الشيخ عبد الله بن حميِّد السالمي: «وذهب أصحابُنا إلى أنَّ الربا إنَّما اختصَّ بالنسيئة، وأنَّه لا بأس بالزيادة في الجنس الواحد إذا كان يدًا بيد … وحُجَّتُهم في ذلك حديث أسامة عند الشيخين وغيرهما بلفظ: «إنَّما الربا في النسيئة»، وزاد مسلم في رواية ابن عباس «لا ربا فيما كان يدًا بيد»، قلتُ: ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوالِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِن كَان ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ اِلَى مَيْسُرَةٍ﴾ (36)؛ فإنَّه يدل أنَّ الربا الذي جاءت به الآية بتحريمه إنَّما هو ربا النسيئة، إذ لولا ذلك لما كان لذكر رؤوس الأموال معنى، وكذلك النظرة إلى الميسُرة .. فعلمنا من كتاب الله ما روى أسامة» (37).
سُئل الشيخ أحمد بن حَمد الخليلي (حفظه الله) المُفتي العام لسلطنة عُمان اليوم في فتاوى المعاملات: ما حُكم ربا الفضل؟ فأجاب: «الراجح مامال إليه الإمام أبو يعقوب الوارجلاني»، وأشار إلى اختياره القطب، ورجَّحه الإمام الخليلي، رحمهم الله جميعًا.
وعليه في عصرنا إمام المعقول والمنقول الشيخ القنوبي (حفظه الله)، وهو عدم جواز ربا الفضل، وذلك للأحاديث الواردة في ذلك؛ والله أعلم» (38).
ومن هذه النصوص يتبيَّن أنَّ الشيخَ
أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني والشيخ محمد بن محبوب بن الرحيل العُماني هما اللذان يأخذان برأي الجمهور عند أصحابنا ويؤيدانه، ومن المتأخرين والمعاصرين الشيخ محمد بن يوسف اطفيش والإمام الخليلي العُماني والشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان ونائبه