نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا
الجزء ١ · صفحة ٥٨الإمام أبو عُبيد يُصنِّف كتابه: «الأموال» في القرن الثاني للهجرة، ويضع الإمام
أبو يوسف ـــ أحد تلامذة أبي حنيفة ـــ كتابه «الخراج» الذي يُعتبر أوَّل مصنَّف في مالية الدولة الإسلامية.
وإذا جئنا إلى المذهب الإباضي نجد نفس الاهتمام منذ نشأة المذهب، فقد صنَّف إمام المذهب، التابعي الجليل: جابر بن زيد «ديوانه» في مختلف فروع الفقه، إلاًّ أنَّ قسمًا كبيرًا منه ضاع مع ما ضاع من التراث الإسلامي أيام الفتن والحروب، ولم يبق منه إلاَّ شذرات في بطون الكتب. فقد قام الأستاذ بكوش يحيى ـــ مشكورًا ـــ بجمعها في كتاب) 2 (، وقد تضمَّن هذا السِّفر مجموع ما روي عن الإمام من الآراء الفقهية، منها إحدى وعشرون مسألة في فقه المعاملات. ولكون الإمام عاش في البصرة مهد مدرسة الرأي والاجتهاد، كما أنَّه أخذ عن الصحابة وخاصة عن عائشة رضي الله عنها، وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه، فإنَّه يكون بذلك قد جمع بين مدرستي النقل والعقل، ويروى عنه أنَّه كان يتنزَّه عن اللجوء إلى الحِيَل الشرعية، ومن المسائل التي وردت في آرائه مسألة وجوب الإشهاد على البيع، فالمسألة خلافية بين الفقهاء، فقد حمل هو آية كتابة الدَّين على الوجوب لا على الندب والاستحباب كما يرى البعض، ممَّا يدُلُّ على تشدُّده وحرصه على توثيق البيوع والديون. ومن المسائل التي وردت أيضًا: مسألة أنَّ الربح بين الشريكين يكون على ما اتَّفقا عليه، أمَّا الوضيعة ـــ الخسارة ـــ فتكون على رأس المال، وهو رأي جملة أهل العلم، وفي شركة المضاربة تكون الخسارة على المال خاصَّة، وليس على العامل منها شيء، غير أنَّه يشترط أن لا تحدث الخسارة بسبب تعدي العامل أو تقصيره في حفظ المال. ومن المسائل التي رُويت عنه أيضًا أنَّه أباح أخذ الأجرة على تعليم القرآن واستنساخه.
وإذا كان تراث إمام المذهب قد ضاع، فقد ألَّف الإباضية في مختلِف العصور في فقه المعاملات، بدءًا بصاحب «المدوَّنة الكبرى») 3 (الإمام أبي غانم الخراساني، إلى العصر الحديث عند صاحب النيل الشيخ عبد العزيز الثميني، وشارحه الشيخ اطفيش، الذي خصَّص خمسة أجزاء من مصنَّفه لفقه المعاملات، والذي يضمُّ في مُجمله سبعة عشر مجلَّدًا في طبعته الجديدة) 4 (. وقبله صنَّف الشيخ عامر الشمَّاخي النفوسي كتاب «الإيضاح») 5 (في أربعة أجزاء، حيث خصَّص الجزء الثالث والرابع لفقه المعاملات، فتضمنت كتاب البيوع والإجارات والشركة والقسمة والرهن والوصايا، ومختلِف مباحث المعاملات.
أمَّا إباضية المشرق بعُمان فقد تميزوا بالتوسُّع والإطالة والشرح في مصنَّفاتهم الفقهية، مثل: المصنَّف) 6 (، ومنهج الطالبين) 7 (، ولباب الآثار) 8 (، وغيرها أكثر.
ومما اعتنى به المذهب الإباضي الجانب العمراني، أو فقه التنمية والعمارة، ونحن نعلم أنَّ النشاط الاقتصادي الرئيس الذي ساد معظم البلاد الإسلامية منذ فجر الإسلام هو النشاط الفلاحي،