نظرات في فقه المعاملات عند الإباضية - ربا الفضل نموذجا
الجزء ١ · صفحة ٥٩بمختلِف فروعه؛ من صيد، ورعي، وزراعة. والشريعة الإسلامية تحثُّ على العمارة والتنمية والإنتاج، لهذا انصبَّ اهتمام الفقهاء على هذا الجانب، وهدفهم في ذلك ربط عقيدة المسلم بأهداف الاستخلاف والعمارة، وأن يكون هذا النشاط الاقتصادي وفق مبادئ الشرع الحنيف. وفي هذا المجال نجد كتاب «القسمة وأصول الأرضين») 9 (، الذي تناول فيما تناول: الشركة بأنواعها، وحقوق الطرق ومسالكها، وحقوق إنشاء القصر (المدينة)، وحقوق السقي بماء المطر، وحقوق الحريم، وغرس الأشجار، وكيفية استغلال المال المُشاع، إلى غيرها من المباحث. وفي العهود الأخيرة صنَّف الشيخ عبد العزيز الثميني كتاب: «التكميل لبعض ما أخلَّ به كتاب النيل»، وهو مختصر الكتاب الأول) 10 (.
ونجد تشابهًا كبيرًا بين مباحث هذا الكتاب، وما تعرَّضت له المصنفات العُمانية في هذا المجال، ولا يختلفان إلاَّ في البيئة والطبيعة؛ حيث نجد البحث في الأفلاج وحريم البحر، وما يتعلَّق بهما من حقوق، وهو ما لا نجده في مباحث صاحب «القسمة وأصول الأرضين»، الذي أُلِّف لبيئة لا توجد فيها أفلاج. وما يلاحظ أيضًا أنَّ إباضية المشرق تناولوا هذه المواضيع ضمن مصنَّفاتهم التي أشرنا إليها، بينما إباضية المغرب خصَّصوا مؤلَّفات خاصَّة بها.
ربا الفضل عند الإباضية:
ومن المسائل في فقه المعاملات التي تَميَّز بها الإباضية عن غيرهم من المذاهب الإسلامية، رأيهم في ربا الفضل؛ فما هو رأي الإباضية؟ وهل حقيقة أنَّ الإباضية يرون أنَّ الربا يقتصر على ربا النسيئة؟ وأنَّ ربا الفضل جائزٌ عندهم؟
مفهوم الربا في الإسلام:
قبل أن نتعرَّض لرأي الإباضية في ربا الفضل ينبغي أن نبيِّن المفهوم العام للربا في الإسلام، ونذكر تقسيماته.
لو استعرضنا الآيات القرآنية التي تناولت الربا) 11 (، لتجلَّى لنا أنَّ الربا المقصود المحرَّم في القرآن الكريم هو النوع الذي كانت تجري به المعاملات المعروفة في بداية التشريع، وأنَّ هذه المعاملات كانت لها صور متعددة غرضها جميعًا الحصول على زيادة مالٍ نظير الانتظار في سداد الدين) 12 (. يقول الشيخ عامر الشماخي) 13 (: «إنَّ أصل الربا الذي حرَّمه الله تعالى أنَّ الرجل في الجاهلية يكون عليه دينٌ أو قرضٌ فإذا حلَّ دينه قال للديَّان أخِّر لي وأزيدك، أو يقول له الطالب: أربِ لي وأُأخِّرُك، فيُربي له بزيادة ماله، ويؤخِّرُه. وهذا فيما قالوا معنى الربا الذي حرَّمه الله». وهذا الذي اتَّفق عليه جميع المذاهب الإسلامية، ويسمَّى هذا النوع "ربا الديون"، لأنَّه يتعلَّق بالديون المترتبة على الذمَّة.
عناصر ربا الديون:
من هذا المفهوم "ربا الديون" يتبيَّن لنا أنَّ عناصره هي: