القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٧٢إليه من كل البلدان حتى من المغرب الإسلامي (11).
لقيت أقواله وكتبه القبول والرضا من جمهرة الأئمة وجمهور الأمة. وهو المرجع في الفتوى و الأحكام عند الإباضية، مما جعل العلماء في عمان يطلقون عليه " إمام المذهب ".
تراث الكُدَمي وشخصيتُه العلميَّة:
أمَّا تراث الكدمي الخالد فهو ما خطته يمينه من مؤلفات تجلت فيها مكانته العلمية ورئاسته لأهل الاجتهاد، حتى عُدّ إمام المذهب، واصطلح الإمام السالمي على تسميته "الإمام" في كتابه مشارق أنوار العقول (12).
ونشير إلى أبرز مؤلفاته التي تعد مرآة فكره وشاهدا على منزلته العلمية ومنهجه في الفتوى والتأليف.
كما تنمّ هذه المؤلفات عن شخصية موسوعية كتبت في مجالات العقيدة والفقه والتاريخ، بأسلوب متميز سمته الدقة والتأصيل، والموضوعية والإنصاف، والتزام الحقيقة العلمية والاستناد إلى الدليل.
ويصف الشيخ أحمد السيابي فكر الكدمي بالشمولية والسعة، «فهو العقدي المتكلم، والأصولي، والفقيه، والمؤرخ، والناظم للشعر، تدل لذلك مؤلفاته القيمة المفيدة» (13).
وتتجلى هذه الحقيقة في كتبه المحفوظة: الاستقامة، والمعتبر، والجامع المفيد، والزيادة على كتاب الإشراف للنيسابوري.
ويقول الشيخ أحمد الخليلي: إنه «كما كان عالما جليلا وكان شجاعا مقداما، وبذلك كانت آراؤه تتفق مع شجاعته، ومما يروى عنه قوله: «من تشجع بعلمه كمن تورّع به». وهو بعيد كل البعد عن التنطع والجبن، وقد قال بنفسه: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعهم في الدين». (14).
مؤلفات الكُدَمي:
كتاب الاستقامة:
عاصر الكدمي الفتنة التي ثارت بعمان بسبب عزل موسى بن موسى للإمام الصلت بن مالك، وتوليته راشد بن النضر (15)، وما نجم عن هذا السطو والانقلاب من جدل حاد بين العلماء، بين واقف ومتولٍّ ومتبرئٍّ من موسى وراشد، لخروجهما على إمام شرعي. فذهبت المدرسة الرستاقية بزعامة ابن بركة إلى التشديد والبراءة من موسى وراشد، وتولى الكدمي الرد على المدرسة الرستاقية، وتبنّى موقف الاعتدال بالوقوف وعدم البراءة. وكتب في ذلك كتابه الشهير "الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة"، أصّل فيه لقضية الولاية والبراءة وموجباتهما وشرائطهما، وفصل أحكامهما وحللها تحليلا دقيقا، كما يعتبر هذا الكتاب فلسفة لنظام الحكم وشرعيته في الإسلام، بما جعله معتمد كل الكتابات الإباضية اللاحقة في هذا الميدان.
وقد أشار بنفسه إلى سبب تأليف كتاب الاستقامة، بقوله: «فإنه لما امتُحن الضعفاء من المسلمين