القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي من خلال كتاب المعتبر
الجزء ١ · صفحة ٩٠الغير قبل اللجوء إلى أكل الميتة والنجاسات. ثم قال غير ذلك هنا. والمسألة بحاجة إلى تحقيق لمعرفة رأيه الأخير في القضية.
الخطأ والضمان:
الخطأ يرفع الإثم والعقوبة لا الضمان، وشرطه:
ذكر أن الوطء يوجب الغسل عمدًا كان أم خطأ، ويوجب إحلال المطلقة ثلاثا، ولكنه لا يوجب الحد في الزنا إذا كان خطأ. «لأن الخطأ لا يوجب معاني العقوبة، وإن كان يوجب معاني ما يثبت به من الأحكام في غير معاني العقوبة» (104).
تحدث عن الضمان في ثنايا بيان أحكام الفتوى، وأن العالِم إن أصاب أُجر، وإن أخطأ لم يأثم، وأما إن كان جاهلا فخطؤه غير مرفوع، وهو ضامن لما أحدثه خطؤه من ضرر في الأبدان والأموال.
والحاكم والعالم في هذا سيان، فلا هلكة عليهما ولا ضمان. ولكن إذا أحلّ حراما مجمعًا عليه أو حرّم حلالا مجمعا عليه، فهو ضامن. (105).
لا يضيع مالٌ في الإسلام:
إذا خالف الحاكم الحق المجمع عليه فهو ضامن، وللمحكوم عليه الرجوع على الحاكم أو المحكوم له لاقتضاء حقه وماله.
ولكن إذا كان خطأ الحاكم مرفوعا، بأن حكم حسب علمه، ولم يفرط، وأتلف بذلك مالا، فإنه لا يضمنه، ولكن لا يضيع المال في أحكام الإسلام، ويكون خطأ ذلك الحاكم في بيت مال الله، وعلى الإمام إن صدقه في ذلك وائتمنه على ذلك أن يؤدي عنه من بيت مال الله، فإن لم يكن بيت المال، كان بمنزلة قتل الخطإ ولكن لا تتحمله العاقلة، بل له أن يأخذ من الزكاة في ذلك ويغرم ولو كان غنيا (106).
وهذا نظر سديد في رعاية حقوق الناس والحفاظ على أموالهم أن تهدر، ولو كان ذلك بمسوغ شرعي، فإن المال مصون لا يبيحه إلا رضا صاحبه كما نص عليه القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [سورة النساء:29].
القاعدة الخامسة: العادة محكّمة (107):
«وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يشبه معنى الحكم الثابت في الأصول، فتصبح بذلك العادات والتعارف في معنى ما يثبت الأحكام الثابتة» (108). ومثل ذلك رجل وامرأتان ثبت بينهما معاشرة ومساكنة، وكان بينهما ما يشبه التزويج والصلة القائمة بين الزوجين، وكلاهما موقن أنه لا يقيم مثل تلك العلاقة إلاَّ مع زوج شرعي. فعارض الزوج شكٌّ في حكم هذه الزوجية، ولم يعلم كيف كان التزويج، ولا من أي وجه تمّ ذلك، ولا من زوَّجه، وربما قام له عارض وشك بأن تلك المرأة أخته من الرضاع أو أمه من الرضاع، أو من سائر ذوات