12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب
الجزء ١٣ · صفحة ٢٣٥يحكم على أفعاله بالكفر، ذلك لأن صاحب مثل هذا التصور العقدي يؤمن بأن الإيمان يزيد بالتعلم والخبرة ولا يجب أن ينقص لأن النقصان يعني الخروج عن دائرة الإيمان، ومثل هذا الحكم والفهم كان ذريعة للمهدي بأن يقاتل ويضطهد الكثير ممن اعتقد بكفرهم أوخالفوه في أمر ما، ومثل هذا التصور يشترك فيه المهدي بن تومرت مع المعتزلة، بالرغم من اشتهارهم بالنزعة العقلية.
خاتمة:
من خلال كل ما سبق نستنتج أن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والذي يطبق أولا بواسطة التعليم وتكوين التلاميذ والأتباع ثم بحد السيف من خلال الوصول إلى الحكم وتأسيس نظام يقوم على خلفية عقدية معينة تتلخص في كلمة "مذهب"، لا مناص منها في أي دولة قامت ضمن الحضارة الإسلامية منذ نشأتها وازدهارها إلى ضعفها وحلول الحضارة الغربية محلها.
لقد أدرك المهدي بن تومرت وخلفاؤه أن التعليم هو الوسيلة الأولى والأنجع للوصول إلى الحكم والبقاء فيه أطول فترة زمنية ممكنة، وبلغة المنطق نقول أن التعليم ككل وتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال التربية والتعليم أولا هو الحد الأوسط في قياس مقدمته الكبرى: الدين ونتيجته: بلوغ سدَّة الحكم والبقاء فيه.
ولأنه أدرك هذه الثلاثية جيدا ـــ التعليم والدين والسياسة ــــ احترف ابن تومرت صفة العالم وحامي حمى الدين بمذهب موحدي جديد قديم، جديد من حيث أنه مذهب يحل محل المذاهب القائمة في الحضارة الإسلامية، وقديم من حيث أن عناصره مؤلفة من أبرز المذاهب السائدة (أشعرية، معتزلية، شيعية، إباضية … )، ولنشر مذهبه العقدي أو تياره السياسي عمل ابن تومرت معلما مرشدا، آمرا بالمعرف ناهيا عن المنكر، وتوج أستاذيته ومهاراته التعليمية وعلمه الواسع بادعائه أنه المهدي المنتظر، واقناع اتباعه بذلك بحد الكرامات – الحقيقية أو المفتعلة – أو بحد السيف كلما اقتضى الأمر ذلك، كل ذلك بهدف الوصول إلى سلطان المرابطين ليحل محلهم ويجسد مشروعه الوحدوي الموحدي.
وهو ما تحقق له بالفعل، لكن هذه السلطة لم يبلغها إلا بسفر شاق،