مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

12 خميسي ساعد - أثر المذهب الموحدي في الحضارة الإسلامية بالمغرب

الجزء ١٣ · صفحة ٢٣٤

الكتب المؤلفة في الحضارة الإسلامية سواء العقدية منها أو الفقهية، أو حتى الكتب الجامعة بينهما، ومن نقاط الاختلاف هذه أن سائر الكتب بما في ذلك المؤلفات التابعة لعلم النظر أو الفلسفة، فإنها عادة ما تستهل بالحديث في الإلهيات، كالحديث عن وجود الله وصفاته، وبصورة مختصرة نقول أننا عهدنا الكتب تبدأ بمسألة التوحيد والصفات الإلهية، في حين كتاب ابن تومرت استهله – كما سبقت الإشارة إليه – بالحديث في مسألة المعرفة، وسائلها ومصادرها، ومسألة اللغة ودلالاتها، لينتهي في نهاية الكتاب إلى مسألة الجهاد، وتأتي مسألة التوحيد والصفات في منتصف الكتاب.

كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن صاحب الكتاب يعتقد فعلا بالعصمة إلى درجة لا تصدق، كما يعتقد في مقابل ذلك بقصور المتلقي وبافتراض جهله إلى أبعد الحدود، لذلك يبدأ بالتعريف بوسائل المعرفة وكأنه يقول للمتلقي بأنك تملك أدوات المعرفة لكن جهلك وقصورك جعلاك تهمل استعمالها، وأنا هنا من أجل أن آخذ بيدك لأعلمك كيف تعتمد سمعك ولسانك وتملأ فكرك بالعلم الذي سألقنه لك، وبالممارسات التي سأحددها لك، فعليك أن تمتثل ولا تخرج عنها قيد أنملة، وبعد هذا التوضيح يشرع ابن تومرت في تقديم تصوره الذي هوفي رأيه وبحكم عصمته أيقن وأصح تصورا، ومن هذه التصورات التي يعرضها وويلزمها ابن تومرت على أتباعه: الاعتقاد بأنه المهدي المنتظر وبأنه إمام معصوم يجب أن تكون طاعته عمياء، ومخالفته كفر وخروج عن جادة الصواب.

كل هذا يجعل من الفكر العقدي لابن تومرت وأحكامه الفقهية لا مجال فيها للمناورة والتلاعب، إذ من السهل جدا النزول إلى درجة الكفر حسب المنظومة العقدية والفقهية الموحدية بمجرد ما أن لا يلتزم أحد بأمر مهدوي ما، أو يخالف ما هو منهي عنه، ونظرا لصعوبة ومخاطر الانزلاق في الأحكام الفقهية القاسية، ونظرا لصعوبة التمييز بين عناصر الإيمان والكفر في العقيدة الموحدية كثيرا ما حكم على من كان مقربا من النظام الموحدي بالكفر والزندقة بين عشية وضحاها، كما حدث لأبي الوليد بن رشد، وهوالأمر الذي يدفعنا إلى القول إنه في كثير من الأحيان السياسي هو المتحكم في توجيه الحكم الفقهي أو العقدي. وصعوبة التمييز بين عناصر الكفر والإيمان تولّد في العقيدة غلوا وتكثر من الخصوم، بحكم أنه من السهل جدا إيجاد الشخص الذي

٢٢٥ / ٣٠٩