مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

14 الشيخ عيسى- رجال في ذاكرة الأمة - الشيخ بكوش

الجزء ١٥ · صفحة ٢٤٧

أمن وإدارة، أيُّها الوافدون علينا ضيوفا من خارج القرارة، أيَّتها النفوس المطمئنة الحاشدة في هذا الجمع المبين، ويا أيَّتها القلوب الراضية بقضاء الله رب العالمين، سلامٌ مكين تكنُّه الجوانح، وحُبٌّ دفين تدرِّيه الروائح، عيد تغمرنا فيه من الوليِّ الحميد المنائح، ولقاء تحلو لنا فيه على الأمجاد المدائح، من الماضين نستلهم ذكرًا، وللباقين نُخلصهم ذكرى، ديدنٌ نبغيه لنا عبر الزمان تميمةً وفخرًا، ومحتِدٌ نجنيه لدار المعاد خبيئة وذُخرا، صانكم الله تعالى من كلّْ بليَّة، ووقاكم من كل رزيَّة، ومتَّعكم في حياتكم بكل سنيَّة، وجعل جهادكم في سبيله إلى جنَّات النعيم مطيَّة.

نلتقي بعيون دامعة، وقلوب ضارعة، ونفوس خاشعة في هذه الساعة المباركة من مساء يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1431هـ الموافق لـ 26 فبراير 2010م الذي يصادف اليوم الخالد في تاريخ أمجاد الإسلام، فهو يوم ميلاد المصطفى، وهو يوم هجرته، وهو يوم وفاته، لتوديع رجل تقيٍّ صالح، وولي نقيٍّ فالح، الشيخ قاسم بن موسى بن الحاج عمر بكوش، نزفُّه إلى مثواه الأخير، ونحفُّه إلى مضجعه الأثير، حيث الأحبةُ محمدٌ و صحبُه، في رياض الجنان يرتعون، وفي جوار الرفيق الأعلى ينعمون.

أيُّها الأحبة الأكارم، كثيرة هي المواطن التي يُرتجُّ فيها على المرء معتذرًا عن الكلام، وكثيرة هي السَّاعات التيِّ يُلجم فيها اللِّسان مندحرا بلجام، وكثيرة هي الأحاسيس التي لا يتسنىَّ فيها الإفصاح افتخارًا إلاَّ بلسان المقام، وكثيرة هي المناقب التيِّ تغيب عن الذهن انحسارًا إذا أريد لها أن تُقام، وكثيرة هي المواقف التيِّ تعجز النَفسُ انكسارًا أن تحظى فيها بمرام، فما أصعب الحديثَ عن شخص يصرُّ على أن يَرى نفسه تواضعًا صغيرًا، ويُلفيه الناس إجماعا كبيرًا، يرى مقامه هضما لذاته وضيعًا، ويعدُّه الكلُّ اعترافا بفضله رفيعًا، فما أشقى البيانَ أن يخرَّ مقهورًا، وما أتعس اللِّسانَ أن يظَلَّ مأسورًا، يضيق صدره و لا ينطلق لسانه، أمام خِلال تستحثُّه على الإفصاح، وخصال تستفزُّه على البواح، فتلكم لعمري مأساة الفكر إذا كان عيًّا، وآفة اللِّسان إذا كان ليًّا، وعاهة البيان إذا كان نيًّا، إحساسٌ عميق، وإدراك دقيقٌ، ومنطق لصيقٌ بي أمام فقيدنا اليوم الذي انتابته فترة من المرض العضال كانت سبب مغادرته هذه الدنيا الفانية، والتحاقه بدار الخلد الباقية، بعد عمرٍٍ حافلٍ بالمكرمات تجاوز السبعين، ودهرٍ كاملٍ بالمنجزات نراها عين

٢٣٧ / ٣٠٩