04 باجو - الشيخ أبو إسحاق فقيها
الجزء ٥ · صفحة ٥٧مقومات شخصية أبي إسحاق الفقهية:
تحالفت على أبي إسحاق ظروف تاريخية قاسية كانت مختبرا لتكوين شخصيته العلمية القوية، وميدانا لصهر معارفه النظرية، بما اصطبغت به من ألوان المواجهات في المجال الاجتماعي بين أنصار القديم وسدنة الجمود، وفي مجال السياسة بين خدم الاستعمار ودعاة التغريب، وخبر المجتمع والسياسة والتربية، وعمل في الصحافة والجمعيات الخيرية، والسياسة والوظيف، والإرشاد والتوجيه، فمنحته هذه التجربة رؤية نافذة للأمور، وبصرا نافذا في مآلات الأفعال ومصائر التجارب، فكان فقهه واقعيا بصيرا، واستقى من معين الفقه الأصيل، مصادر وتراثا، ومن معاشرة القطب اطفيش في بلدته، وفقهاء المسلمين في الزيتونة والأزهر وعمان فقها حيّا مستقًى من هؤلاء الأعلام، فكان فقهه أصيلا في مصادره، بصيرا في نظراته، حكيما في أناة، قويا في اعتدال، لا يلين استجابة لضغوط، ولا يقسو رغبة في التنطع والغلو.
وإن عرف أبو إسحاق بحدة الطبع، فإنها كانت قوة في الحق، وغيرة على حرمات الله، وعزة مسلم يريد أن تكون كلمة الله هي العليا. وكان اجتهاده صورة للفقه في عصوره الذهبية من تاريخ الإسلام. ولا غرو فقد كان يهفو لعودة هذا الفقه أن يقود المجتمع ويسود الحياة.
ونجد في خصائص فقه أبي إسحاق ما يشهد لهذه المميزات بجلاء.
أثر مشايخه
لا ريب أن الإنسان ابن بيئته، وأن التلميذ النجيب نسخة ممتازة من شخصية أستاذه، وقد كان أبو إسحاق امتدادا لشيخه وعمه العلامة القطب امحمد بن يوسف اطفيش، قضى بمعهده سنوات التحصيل الذهبية، وصدر عنه معجبا به وبعلمه وخلاله، وانطلق يجسد تعاليمه وتوجيهاته في الحياة. وقد كان القطب يحث طلبته أن يكونوا قدوة للناس في العلم الوفير والخلق الكريم، والتضحية والتفاني لتنوير الأمة.
وكان همّ القطب بعث الحياة في الأمة، ومحاربة أسباب شقائها، من الجهل والتخلف، والسعي لجمع