مجلة الحياة، العدد 14 مجلة الحياة

04 باجو - الشيخ أبو إسحاق فقيها

الجزء ٥ · صفحة ٥٨

كلمتها، ونبذ أسباب الفرقة التي كانت وراء ما أصابها من ذلة وهوان(1).

وعاصر القطب دخول الاستعمار الفرنسي إلى الجزائر، ووصول جحافله إلى ميزاب في عمق الصحراء، وأنكر هذا الظلم ووقف في وجه جيوش الاحتلال، وله مواقف مشهورة في هذا المجال.

وغرس في نفوس طلبته هذا الكره المقيت لفرنسا وما تعلق بها من دين وثقافة وسلوك، وعلى شاكلته كان هؤلاء الطلبة، فضربوا أروع الأمثلة في الوطنية والدفاع عن مقومات الأمة، ومن أبرزهم الشيخ سليمان الباروني زعيم الجهاد في ليبيا ضد الاحتلال الإيطالي، وإبراهيم أبو اليقظان رائد الصحافة الوطنية الجزائرية التي كانت شوكة في حلق الاستعمار، فضحت مكايده وأفاعيله في الوطن، وظلت الإدارة الفرنسية لأبي اليقظان بالمرصاد، تئد صحفه تباعا، وهو يغالب موجها الطامي طيلة اثنتي عشرة سنة، أنشأ خلالها ثماني جرائد، كلها وطنية ودعوة للنهوض والسعي للانعتاق من نير الاستعمار.

وكان أبو إسحاق أيضا صورة صادقة لروح القطب في جهاده ضد الظلم وضد الجهل، وساعيا لوحدة المسلمين، باذلا في سبيلها الغالي والنفيس. وسيرته المفصلة طافحة بالشواهد الجلية على هذه الروح العالية التي امتلأ بها أبو إسحاق من مفرق رأسه إلى أخمص قدمه. وقد كتب في إحدى رسائله لأبي اليقظان قائلا: «إن الاستعمار من أغرب أساليب الظلم، وأقبح شريعة أسسها الشيطان، وأفظع ما أوجده الطاغوت»(2)

أثر المحيط العلمي في تونس ومصر

كان للمحيط العلمي والسياسي الذي احتك به أبو إسحاق بتونس أولا، ثم بمصر ثانيا، وطول مقامه في البلدين معًا، واتصاله بأقطاب العلماء ورواد الحركة الوطنية فيهما، ومساهمته الفعالة في تلك الحركات، أثره في فقهه، فقد كان نظره الفقهي واجتهاده واقعيا، ناضجا، يراعي المقاصد، ويقدر الضرورة، ويتكيف مع الظروف، دون مساومة على المبادئ أو

(1) - حول تفاصيل شخصية القطب ومعالم جهاده، ينظر: مصطفى بن الناصر وينتن، الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش وآراؤه العقدية، نشر جمعية التراث، 2000، وهو أوفى ترجمة تناولت حياة القطب.

(2) - من رسالة لأبي إسحاق من القاهرة إلى أبي اليقظان عند مصادرة فرنسا لجريدته "وادي ميزاب"، مؤرخة في 18 رمضان 1347هـ 27 فبراير 1929م. انظر: د. محمد ناصر، أبو إسحاق اطفيش في جهاده الإسلامي، ص200.

٥٧ / ٣٠٩